بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

قد يبدو هذا العنوان عبثيا أو ماكرا بالنسبة لعدد كبير من مناصري الشعور القومي العربي النبيل والحالمين بمشروع الوحدة العربية التي لم تتحقق بعد؛ ذلك لأنه تم عمدا وعمليا ترويج الديمقراطية منذ تأسيس جامعة الدول العربية حتى اليوم من طرف أغلب الأنظمة العربية باعتبارها ممارسة سياسية غربية وأجنبية معادية لفكرة العروبة وقيم الهوية العربية وشرط الوجود العربي المستقل. وقد أسهم التكوين السياسي العربي في المشرق والمغرب في ترسيخ ثقافة العداء للديمقراطية في البلاد العربية بشكل واسع ومرتب ومتواصل—فتجد كتاب وأدباء وسياسيين وخبراء وفنانين وطلابا وأساتذة وعمالا ورجال دين... ينشدون عبر مختلف مراحل التاريخ العربي المشترك وحدة عربية غير ديمقراطية ويدافعون عنها، باسم القومية أو باسم الدين أو باسم المقاومة والاستقلال أو باسم الثورة، في كتاباتهم وخطبهم ومظاهراتهم وبياناتهم وعبر مختلف أشكال التعبير المتاحة لهم في دولهم بحماس جماعي عارم. وقد تولد هذا السلوك العربي الرافض للديمقراطية عن عاملين رئيسيين اثنين: أولا، عداء الشعوب العربية للدول الغربية، صانعة الديمقراطية، أثناء الاحتلال وبعيد الاستقلال بفعل استمرار الهيمنة الغربية السياسية والاقتصادية والامبريالية على مجموع البلاد العربية؛ وثانيا حرص أغلب الحكام العرب على معاداة الديمقراطية بهدف بناء أهرام سلطوية قارة، تتمتع بالقوة والهيبة ضمن الجغرافيات الإقليمية للعالم العربي.

وقد كرست هذه الاختيارات السلطوية سياسات محلية وإقليمية أحادية الأبعاد في الأغلب الأعم، وهو ما اضطرها إلى التطور إلى أنظمة متناقضة المصالح فيما بينها، شديدة الحساسية بعضها إزاء البعض الآخر وغير قادرة على التواصل المثمر فيما بينها أو مع شعوبها--وهي الخاصيات التي قوضت العمل العربي المشترك، وعطلت آليات الجامعة العربية لمواسم تلو مواسم، فكانت قرارات الجامعة دائما خطبا وبيانات وحبرا على ورق. لقد كان طبيعيا بالنسبة للأنظمة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين أن تميل نحو حماية كياناتها على حساب البناء العربي المشترك في زمن اضطرم فيه سعير الثورة والانقلابات واحتدم فيه الصراع بين مناصري الغرب ومناصري الشرق. وفعلا، لم يسلم العالم العربي من سلسلة من الانقلابات والاضطرابات في مصر والعراق والجزائر وليبيا وتونس واليمن وموريتانيا، ومحاولات انقلابية أخرى محبطة في أغلب البلدان العربية. وهو ما يعني أن العقل العربي السلطوي كان لأكثر من نصف قرن عقلا انقلابيا وعسكريا واستبداديا بدل أن يكون ديمقراطيا ومتمدنا وعقلانيا. وفي كل مرة كانت تدبر فيها الانقلابات، كانت الشعوب العربية تجد نفسها مبعدة عن القرارات السياسية وممنوعة من التعبير السياسي أومن الانتظام في هيئات مدنية متطورة وتعددية بإمكانها ممارسة الاحتجاج وطرح الأفكار البديلة والدفاع عن حقوقها والمناداة بالديمقراطية. كان الطريق الوحيد بالنسبة للمثقفين العرب للوصول إلى أهدافهم السياسية وتصريف أفكارهم الحرة وممارسة حقوقهم، الهجرة إلى الغرب واختيار المنفى. وكان أغلبهم في أحسن الأحوال يختار الصمت ولغة المجاز ويركن إلى الثقافة السائدة، وإن لم يؤمن بها، فلا يفكر في تعدد الأحزاب وفي البرلمانات القوية وفي حقوق الإنسان وفي التناوب السياسي وفي الصحافة الحرة وفي الانتخابات الشفافة وفي القضاء المستقل أو في أي أسلوب ديمقراطي آخر، وكان أتعسهم وأقدرهم على المواجهة لا يختار الصمت ولا يختار المنفى، بل يختار الأوقات العصيبة والتعذيب والسجن والموت أحيانا. وكانت الجامعة العربية، المنتظم القومي والعربي الوحيد، بعيدة كل البعد عن قضايا الديمقراطية والانفتاح والتنوير وحقوق الإنسان في الوطن العربي. لم يسبق لهذه المؤسسة الرسمية على مدى ستين عاما أن طرحت مسالة الديمقراطية باعتبارها خيارا استراتيجيا في الوطن العربي، ولم يسبق لها أن خصصت مؤتمرات لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد العربية ومناصرة المثقفين العرب والمطالبة بتوسيع هوامش حريتهم. تأسست الجامعة العربية في ظل الغياب التام للديمقراطية في الوطن العربي، وظلت كذلك تقاوم التوجهات العالمية للإصلاح والتحديث والانفتاح لمدة عقود متتالية انطلاقا من زيف مسوغات الخصوصيات القومية والثقافية للشعوب العربية. كانت القضايا الكبرى والإقليمية فيما بين الدول الشقيقة وبين الدول العربية والأخرى غير العربية هي الأهم بالنسبة لجامعة الدول العربية، وتستأثر باهتمامات القادة العرب وجلساتهم العلنية والمغلقة. قد تكون مثل هذه الأولويات طبيعية وطارئة بفعل الحروب التي عصفت بالعالم العربي على مدى سنين طويلة، فأنهكت كيانه وأفقدته القدرة على التقدم والتطور. غير أن الحروب والنزاعات والاضطرابات، في العراق أو في لبنان أو في مصر أو في سوريا أو في الكويت أو في فلسطين أو في الجزائر...، لم تكن العوامل الوحيدة التي أثرت سلبا على النظام العربي المشترك.

في مقالته "نظام عالم متغير: البعد العربي" (1980)، يقدم إدوارد سعيد توصيفا سياسيا مركبا ومقتضبا للبعد العربي في إطار النظام العالمي لمرحلة تحول القرن. وأغلب ملاحظات إدوراد سعيد في هذه المقالة القديمة نسبيا مازالت شديدة الانسجام مع الحالة العربية الراهنة التي تدعو إلى القلق والحسرة أكثر مما تبعث على الاطمئنان والارتياح. تبقى الدول العربية في ضوء رؤية إدوارد سعيد، غير قادرة على اختراق النظام العالمي الجديد بكيفية فعالة ومؤثرة ومنتجة وعاجزة عن استيعاب التحولات العالمية الكبرى التي تتبلور يوما بعد آخر نتيجة تجدد المعارف وتطور نظم المعلومات. يرى إدوارد سعيد أنه لم يتم توظيف الرأسمال العربي بكيفية استراتيجيه ومركزة وفق سياسات عقلانية لمسايرة المتغيرات العالمية والتأثير فيها، بل تم تشتيت الثروات وتصريف أغلبها في شكل ودائع مربحة على المدى القصير في المصارف العالمية بما لا يخدم المصالح الإستراتيجية الكبرى للبلاد العربية في العمق. كما يلاحظ إدوارد سعيد أن هيمنة إيديولوجية أمن الدولة في البلدان العربية قد شكلت عائقا أمام تطور البنيات السياسية والمدنية لهذه الدول، فأدت، تبعا لذلك، إلى تراجع الخيارات السياسية وتقلص الحريات وضياع الحقوق الديمقراطية، مما خلق حالة من الاغتراب بالنسبة للشعوب كما بالنسبة للدول والحكومات.

من التاريخ نتعلم: إن أقدر الأنظمة السياسية على البقاء والتطور هي الأنظمة الديمقراطية وأكثرها عرضة للتفكك والتحلل هي الأنظمة الشمولية. ونجد في تاريخ أوربا الحديث والمعاصر أمثلة عديدة ونماذج كثيرة لأنظمة عاتية أبادها التاريخ كما حدث في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا وأخرى في أوربا الشرقية، كما نجد في المقابل ديمقراطيات تمكنت من تجاوز بطش الفاشستية والنازية والحروب المدمرة، وتمكنت في ظرف وجيز من التحول إلى مراكز ثقل ضمن أروع انتظام ليبرالي وديمقراطي في تاريخنا المعاصر، ونقصد بالطبع منتظم الاتحاد الأوربي. وإن كانت الأمثلة كثيرة، فتبقى في ذهني لحظة استسلام الجنرال "فرانسيسكو فرانكو" تدريجيا أواخر حياته لرياح التغيير الديمقراطية في إسبانيا أهم لحظة تاريخية لنا جميعا، خاصة في عالمنا العربي المتعثر، لاستيعاب درس الديمقراطية وقدرتها على النمو والتطور من بين أنقاض الديكتاتورية والاستبداد والقمع، وبالتالي عجز الديكتاتورية عن التطور والاستمرار مهما تقوت وتجبرت وتسلطت. سنة 1973 تنحى الجنرال فرانكو عن منصب رئيس الوزراء، واحتفظ فقط بمنصب رئيس الدولة، فكان ذلك إيذانا بقرب نهاية الديكتاتورية في إسبانيا. وقد أزيل آخر تمثال لفرانكو من وسط مدريد في السابع عشر من مارس 2005 بعد أن تم استبدال أسماء الشوارع التي كانت تحمل اسم الجنرال، وهو ما يعني فقدان الذاكرة الديكتاتورية في إسبانيا لجميع شواهدها، وتحولها بالتالي إلى ماض لا يمتد إلى حاضر التعددية واللبرالية والانفتاح. صحيح أن فرانكو حكم إسبانيا حتى آخر لحظة في حياته، إلا أن نرجسية الدكتاتور لم تمكنه من تحقيق أي امتداد شخصي في عمق مستقبل إسبانيا الديمقراطي. كانت أحلام فرانكو بدون مستقبل، فتلاشت تلك الأحلام نهائيا على فراش الاحتضار.

أما في وطننا العربي، فالحصيلة السياسية للأنظمة العربية على مدى الستين السنة الأخيرة تكاد تكون مفزعة، إن لم تكن فعلا أقسى من ذلك. لم تتمكن الدول العربية في مجموعها من التطور إلى ديمقراطيات مواكبة للانفتاح العالمي ومسايرة لروح التقدم والتحديث الذي اجتاح مناطق كثيرة من العالم؛ ولم تتمكن الحكومات العربية من تحقيق الوحدة فيما بينها والتطور إلى كتل اقتصادية فاعلة في الاقتصاد العالمي ومحركة لآلياته؛ ولم تتمكن من تحقيق حلم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وإنهاء عقبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ ولم تستطع أن تحاصر النزاعات البينية والإقليمية، فتضمن بذلك لشعوبها الاستقرار والأمن والرخاء ؛ ولم تتمكن من تحقيق تراكم معرفي وعلمي بحجم تاريخ الشعوب العربية وقيمها الحضارية والإنسانية. ولم تتمكن من تجنب الحروب الأهلية في لبنان والجزائر والسودان؛ ولم تستطع أن تجنب العالم العربي كارثة الغزو العراقي للكويت التي أعقبها احتلال العراق وانهيار نظام البعث العراقي.... عكس كل الآمال والأحلام التي رافقت نزعات التحرر والمقاومة والاستقلال، شهد العالم العربي قيام أنظمة سياسية شمولية غير ديمقراطية عبر جميع أرجائه، أفقدت الحضارة العربية ألقها التاريخي واعتبارها الإنساني على المستوى الكوني، وحولت الإنسان العربي إلى كائن هامشي ومغترب، ممزق بين طموحاته القومية والتاريخية وبين إحباطاته السياسية والاجتماعية. اكتشف المثقف العربي مفارقات كثيرة بعيد الاستقلال—من ضمنها أنه وجد نفسه متحمسا وقادرا على حمل شعارات كبرى بحجم أمته في وجه العالم بدافع القومية والهوية والحضارة والتاريخ والجغرافيا واللغة والدين مثلما وجد نفسه محبطا وعاجزا عن حمل شعارات صغرى بحجم ذاته ضد مؤسساته السياسية باسم الحرية وحقوق الإنسان والمواطنة والمدنية والانتماء والديمقراطية والعيش الكريم. وإن كان مستضعفا ومحبطا ومغتربا، إلا أن الإنسان العربي يبقى الشاهد الرئيسي في سجل أحداث التاريخ العربي المعاصر على إخفاقات الأنظمة العربية وتدهورها وتراجعها.

أبرز مثال نسوقه الآن بطبيعة الحال هو احتلال العراق وانهيار نظام صدام حسين الشمولي. ولو كان العراق ديمقراطيا في الأيام البائدات، لما أقدم صدام حسين على غزو الكويت في الثاني من أغسطس سنة 1990، ولما وجدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك مسوغا لـ"تحرير" العراق من ديكتاتوريته سنة 2003. وهناك اليوم احتمالات تتطور يوما بعد آخر إلى حقائق بشأن تدهور نظام سوريا الشمولي وانزلاقه إلى عزلة سياسية خانقة قد تقوده حتما إلى الانهيار بفعل الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة والمتلاحقة. كانت أمام سوريا فرصة سانحة عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد في العاشر من يونيه سنة 2000 لتخطي إيديولوجية الأمن القومي والتحول من نظام ديكتاتوري وعسكري دام أزيد من ثلاثين عاما إلى نظام ليبرالي وديمقراطي واجتماعي أكثر انسجاما مع النظام العالمي الجديد. ولو اختارت سوريا الديمقراطية لكانت قد حققت لنفسها وللآخرين على المستوى الإقليمي طفرة تاريخية في اتجاه التطور والتحديث والاستقرار. من شأن الديمقراطية في سوريا أن تؤدي إلى خلق مجال إقليمي تنافسي متقدم في الشرق الأوسط، وتقود إلى مزيد من الإصلاح والانفتاح والتعددية في الأردن وفي مصر. إذ لا يمكن للديمقراطية في سوريا إلا أن تنعكس إيجابا على أمن لبنان وتطوره واستقراره، وأن تسهم بما لا يدع مجالا للشك في تصفية الصراع العربي الإسرائيلي في أقرب الآجال الممكنة. إلا أن سوريا لم تختر الديمقراطية في السنوات الأخيرة لاعتبارات محلية وإقليمية وعالمية متداخلة، لكنها في الغالب اعتبارات إيديولوجية غير عقلانية وغير إستراتيجية يمكن إيجازها في حرص الرئيس السوري على الاندفاع نحو إظهار قدرته على قيادة هياكل حزب البعث السوري والدفاع عن مصالحه ومقاومة الضغوط الخارجية وعدم تقديم تنازلات تحسب عليه من طرف الحرس القديم للنظام السياسي السوري.

تمثل الديمقراطية بالنسبة للعالم العربي اليوم خيارا استراتيجيا وأداة متقدمة لتحقيق الوحدة العربية في إطار من التواصل والتكامل الكونيين. ولا يمكن استنباتها في العالم العربي إلا باقتناع الجميع، سياسيين، واقتصاديين، ومثقفين، وشعوبا، بكون الديمقراطية ليست بالضرورة معاكسة للشعور القومي العربي أو مناهضة لطموحاته الثقافية والسياسية والحضارية المشروعة. إن قبول الديمقراطية في العالم العربي سيعني تطور المؤسسات السياسية الموجودة في الدول العربية إلى مؤسسات دستورية عقلانية تستمد شرعيتها وقوتها من اختيارات الشعوب وقناعاتهم بدلا من سطوة تلك المؤسسات أو إصرارها على عدم التطور واستمرارها في ممارسة التسلط وقمع الحريات والاستفراد بالقرارات. إلا أن ما يلزم التنبيه إليه في هذا المقال هو أن العالم العربي في الظرف الحالي مؤهل بأغلب أنظمته السياسية القائمة لاحتضان الديمقراطية وجعلها خيارا سياسيا واجتماعيا وحضاريا وأسلوبا للتدبير السياسي والتواصل الإنساني. لنقتنع جميعا أننا لسنا في حاجة في عالمنا العربي إلى قلب الأنظمة لتطبيق الديمقراطية؛ بل إننا في حاجة إلى فكر ديمقراطي وليبرالي ومجتمعي قادر، بتوجيه من المثقفين والمفكرين العرب العقلانيين، على تطوير المؤسسات السياسية القائمة وتحويلها إلى آليات لصون الديمقراطية وتكريسها بوصفها خيارا مجتمعيا متكاملا. فالتيارات الدينية المتنامية في العالم العربي في ظل الغياب شبه المطلق للحريات المدنية وفي ظل التهميش التام للمثقف العربي العقلاني، تمثل تهديدا حقيقيا للمشروع الديمقراطي العربي المتنور والمنفتح والمتقدم. لقد أسهمت الديكتاتوريات العربية، من دون أن تقصد، في تبلور الظاهرة الدينية السياسية وانتشارها داخل المجتمعات العربية، ومنحتها فرصا عديدة ومناسبات كثيرة للتطور إلى أجهزة أيدلوجية مفتوحة الاستقطاب وذات خطورة حقيقة على مستقبل الديمقراطية في العالم العربي. إن أغلب هذه التيارات الدينية تحرض على الأسلوب الانقلابي في التغيير وهي بذلك لا تختلف تقنيا من حيث المبدأ عن الأنظمة الشمولية ذات التوجهات الأحادية والسلطوية التي كرستها الانقلابات العسكرية في العديد من الأقطار العربية فأدت إلى ما نعيشه اليوم من أزمات على مختلف الأصعدة. غير أن خطر هذه التيارات الحقيقي يكمن في افتقارها لتصورات عقلانية متنورة ومتسامحة واستنادها، على العكس، إلى مرجعيات تراثية أو عقدية أو طائفية عاجزة عن استيعاب أو تمثل المشروع الديمقراطي الليبرالي المتنور القائم على حرية التعبير وحقوق الإنسان والتعددية وقوة المؤسسات الدستورية.

إن العالم العربي في حاجة ملحة إلى الديمقراطية باعتبارها أسلوبا كونيا وإنسانيا لتدبير الشأن السياسي والمجتمعي__ديمقراطية تقوي مؤسسات الدولة وتزيح عنها آفة التسلط والاستبداد، وتعيد للإنسان العربي كرامته واعتباره، وتمنح المثقف العربي حرية فسيحة للتأمل والتفكير والتعبير والتواصل والتحرك والعطاء. ولا يمكن أن تتحقق الديمقراطية في العالم العربي في المرحلة الأولى إلا بتشكل "مجالات ديمقراطية إقليمية" تضم أكثر من دولة واحدة وقادرة على استيعاب التناقضات السياسية للجغرافية العربية واستثمارها لترسيخ ثقافة التعدد والاختلاف والتنوير وحفز التنافس بين الدول. بإمكان دول مثل المغرب وتونس ومصر ولبنان والإمارات العربية المتحدة والأردن وغيرها، أن تسهم بفعالية في تشكيل هذه المجالات الإقليمية للديمقراطية عبر العالم العربي باعتبار مؤهلاتها المؤسساتية أو السياسية وقدرتها على التواصل الإيجابي مع المتغيرات العالمية الراهنة.وهذه الدول هي الأقدر على التطور والتحول بوتيرة أسرع في سياق النظام العالمي الجديد والتأثير في محيطها الإقليمي. إن خلق ما أسميه "مجالات إقليمية للديمقراطية" في العالم العربي من شأنه أن يسرع بدمقرطة العالم العربي في إطار من التكتلات الاقتصادية والتنسيق السياسي المرن والواقعي والتحول الثقافي المنتج والمتفاعل. ولن تمثل هذه المجالات الديمقراطية تجاوزا لدور جامعة الدول العربية، بل ستسهم حتما في إعادة صياغة بنية الجامعة وتقوية آلياتها الإقليمية بما يتوافق مع الشروط المجتمعية والسياسية والثقافية الجديدة للدول العربية. إلا أن الانتقال الديمقراطي في العالم العربي لن يتم بإرادة سياسية فحسب، بل بتحول مجتمعي وإقليمي شامل نحو التنوير والتغيير ومنفتح على قيم النظام العالمي الجديد ومقتنع بفتح الحدود وتحقيق التواصل الإقليمي والدولي. من شأن الديمقراطية في العالم العربي أن تقوي المؤسسات، وتجنب العالم العربي ويلات الحروب وآفة التخلف وتعزز التواصل بين الشعوب العربية وتخلق مناخا سياسيا ومجتمعيا وإقليميا مستقرا ومشجعا على المبادرات الحرة والمبدعة. لقد أضاع العالم العربي أكثر من نصف قرن في البحث عن وحدة قومية بدون ديمقراطية فلم يتوصل إلى ذلك. وحان الوقت الآن لأن يدافع عن كينونته القومية بتبني الخيارات الديمقراطية والتخلي عن قوانين الطوارئ وحالات الاستثناء.