غابت شمس الأصيل ولم تشرق من جديد، وزرقة السماء غطتها سحابة سوداء، والحزن عسكر في كل المواقع يتربص لكل حياة، حتى الحياة نفسها فقدت حياتها.. اختلت الموازين، وقبرت القيم، وتفرقت الأيادي بتفرق المصالح... حروب ودمار ووباء قاتل يسحق الآمال، وينفث سم الغضب في النفوس، يزحف كالتيار المهول ليقتل جيلا بعد جيل ويمحي حقبة بعد حقبة.. نشكو ونئن، ولكن لماذا؟

الحروب نحن صنعناها ، والدمار نحن اخترعناه، والوباء وباء الروح قبل الجسد.

يا الهي.. حبيب الأمس جلاد اليوم، وجلاد الأمس قاضي اليوم، والضعيف البريء ضحية في كل الأزمنة...

بالأمس صلبوه وعذبوه... واليوم جردوه من آدميته واقتلعوا القلب النابض من داخله ليدفنوه في مقبرة الشهداء، لا، ربما ليزينوا به متحفا من متاحف العظماء.

صار آدم ليس بآدم.. آدم الأمس روح وقلب قبل جسد، وآدم اليوم جسد منسوخ يتكيف مع كل شيء وفي أي وقت. بالأمس، كانوا عقولا متفتحة نيرة، وقلوبا دافئة مؤمنة...واليوم صاروا أجسادا تركض وراء بعضها، تعمل في الخفاء وتتخبط في العدم، تحلو لها الظلمة وتعشق المغامرة.

تسابق الزمن وتتصارع مع الطبيعة، وإذا ما وقفت، تساءلت عن سبب الخراب السبب داخلها قبل أن يكون حولها.. السبب.. أنها باعت أعضاءها في سوق المادة، وجعلت ماضيها في المزاد العلني.. والمالك من يدفع أكثر..

رباه.. ترفق بهذه الأجساد.. اخلق بدل العقل عقلا، وبدل القلب قلبا وبدل الروح روحا، واجعل الدمار دمار الأحقاد.. اخرج الحب من زنزانته المنفية واجعله دواء لكل الجروح وبلسما لكل الآلام.. اجعل آدم الأمس يعود ليحيى بعيدا عن الزيف قبل الفناء...

نوريا الفتوح

(تطوان)