الحرب العالمية الثانية وموقف النخبة الوطنية منها

في الحلاقات الثلاث كنت قد أشرت إلى الدور السلبي للحركة الوطنية تجاه مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الاسبانية، خصوصا وأن في تلك الفترة كانت الحركة الوطنية ممثلة في حزبين معترف بهما وبنشاطهما من طرف السلطة الاسبانية التي خططت لهذه الحرب لفائدة فرانكو، غير أن الذي يهمنا في هذا الصدد ليس الوقوف بجانب الجمهوريين أو العسكريين، وإنما التصدي والاستنكار لمشاركة المغاربة في هذه الحرب التي كانت حربا طاحنة، وكان واضحا بأنها سوف تخلف ضحايا وهو ما وقع، غير أن الموقف السلبي لهذه الأحزاب لم يكن يعير أي اهتمام لهذا الجانب وكأن المشاركون فيها لم يكونوا مغاربة.

ومن جهة أخرى فقد أطلعتنا جريدة " الشمال " التي تصدر من طنجة في عدديها 308 و309 بتاريخ 1و7 مارس 2006 في مقالين عن هذه الحرب يشير صاحبه في العدد 308 أن الطريس وبنونة قاموا بتسليم تقارير سرية إلى الحكومة الجمهورية الاسبانية يشعرونهم فيها بأن الجيش والملكيين الاسبان بالمنطقة يهيئون لحركة غير عادية ضد النظام الجمهوري، هل هذا معناه أن الطريس وبنونة كانت لهم علاقة بالجمهورية الاسبانية إلى هذا الحد، أم كان ميولهم جمهوري؟ ثم يشير نفس الكاتب في العدد 309 أنه لم يكن في وسع الحركة ولا الخليفة السلطاني ولا الشعب ولا حتى في وسع سلطان المغرب نفسه أن يمنع الجنرال فرانكو من السيطرة على شمال المغرب، وتسخير الجنود المغاربة المنخرطين في الجيش النظامي كمرتزقة، ولم يكن منتظرا من المغاربة أن يعارضوا في ثورة طائفية اسبانية ضد طائفة اسبانية أخرى، وذلك لأن الجمهورية لم تكن قد منحت الشعب المغربي أي حق من الحقوق الذي يجعلهم يحسون فقدانها بسبب تغيير النظام الملكي والحكم. وهذا الكلام يتناقض مع ما قاله كاتب المقال من كون الطريس وبنونة كانا يكتبان تقارير سرية استخبارية إلى حكومة الجمهورية الاسبانية ينبهونها بتهييء حركة ضدهم في منطقة الحماية من طرف الجيش وأنصار الملكية الاسبانية، إذن أين هو الحياد من طرف الكتلة الوطنية الذي تكلم عنه الكاتب ؟

كل هذا والبحث فيه موكول إلى المؤرخين والباحثين من أجل إظهار الحقيقة على اثر وجود عدد هائل من الوثائق في هذا الشأن، غير أنني يجب أن أبرز أن غايتي من كتابة هذه السلسلة من الحلقات هو الدفاع عن إعادة الاعتبار إلى المغاربة نتيجة مشاركتهم في هذه الحرب الأهلية الاسبانية والدفاع عن حقوق الضحايا الذين سقطوا في هذه المعارك والمعطوبين الذين خلفتهم هذه الحرب والضحايا من الأرامل والأولاد والأحفاد للمشاركين في هذه الحرب.

إذ أنه وبمجرد انتهاء  الحرب الأهلية الاسبانية سنة 1939، بدأت الحرب العالمية الثانية بين دول المحور ( ألمانيا وحلفائها ) ودول التحالف ( أمريكا وحلفائها )، وهنا تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا قدمت معاونة كبيرة لفرانكو أثناء الحرب العالمية، خصوصا الذخيرة الحربية مما جعلت فرانكو يتفوق على الحكومة الجمهورية، خصوصا وأن الحالة المادية لفرانكو كانت ضعيفة الموارد أثناء الحرب الأهلية، ولولا هذه المساعدة الألمانية، زيادة على مشاركة الجنود المغاربة لما كان نجاحه سيكون، الشيء الذي جعل حكومة فرانكو تنحاز إلى ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

ولكن الغريب في الأمر هو أن نرى أن الكتلة الوطنية، وبعض شرائح المجتمع بشمال المغرب كان نشيطا ومتحمسا بجانب دول المحور ( ألمانيا ) يتقاسم هذا الشعور مع الموالين لفرانكو، والشيء الذي زاد في تعقد فهم موقف  الكتلة الوطنية، هو السفر الذي قام به زعيم حزب الإصلاح الوطني إلى برلين والاتصال مع السلطات النازية الألمانية، إذ نرى من جانب آخر أن ملك البلاد جلالة المغفور له محمد الخامس كان بجانب الحلفاء ( أمريكا وحلفائها ) حيث أعلن جلالته عن اشتراكه في الحرب العالمية بجانب الحلفاء أثناء عقد مؤتمر أنفا.

وأمام هذا التناقض، لم يبق لنا إلا أن نتساءل هل كانت الكتلة الوطنية بالشمال منحازة إلى جانب دول المحور تعاطفا مع اسبانيا ؟ أم كانت بسبب نجهله متناسيا الموقف المغربي المتجسد في شخص ملك البلاد محمد الخامس الذي أعلن بصفة رسمية موقف المغرب بجانب دول التحالف ومشاركته في الحرب الثانية والذي كان مرتبطا بوعود استقلال المغرب بعد انتهاء الحرب ؟

من خلال كل ما ذكر يتضح بأن سلوك الكتلة الوطنية خلال الحربين المذكورتين فيها كثير من الغموض والتساؤلات يجب إيضاحها، الشيء الذي نتمنى أن يتم عن طريق الباحثين والمؤرخين في نطاق مراجعة وإعادة كتابة التاريخ  الحقيقي حتى يمكن للمغاربة أن يعرفوا ويفهموا التاريخ الحقيقي لبلادهم وكذا نشاط النخبة السياسية المغربية خلال الحربين.

وأتمنى أخيرا أن أكون بكتابة هذه الحلقات قد ساهمت ولو بشكل متواضع ولو بالإشارة إلى بعض الأحداث واني متأكد بأنها سوف تكون نقطة بداية بحث جديد سوف يؤدي إلى توضيح بعض التناقضات التاريخية حول ما كنا نقرأه إلى حد الساعة.

وبعون الله سوف أتطرق في الحلقة المقبلة إلى دور الكتلة الوطنية حول نفي محمد الخامس عن عرشه، وعن مدى تعلق سكان الشمال بالعرش العلوي ووقوفه بجانب ملك البلاد جلالة الملك محمد الخامس تغمده الله برحمته.