بقلم : أحمد المخلوفي

وحتى حين غطوه بعلم الوطن، وأبعدوا برفق والدته "مريم" وهي ترسل آهاتها من جرح غائر دفين، عبرت عنه بدمعتين حارتين، سقت بهما طراوة خديها الحزينين حتى آخر شالها المتشح بالبياض الناصع...كانت صورته وهو محمولا على أكتاف رفاقه الأطفال في طريقهم إلى قمة السماء من التل، والطلقات العشر المعبرة عن سنوات العمر التي عاشها، لا تبرح مخيلتي صباح مساء. وكانت كل هذه الصور تنثال بكل تفاصيلها، حتى في اللحظات التي أركن فيها إلى تأملاتي المنفلتة من سراب اللحظات وخوائها اليابس. وحين كنت أخرج إلى الشارع ملتمسا بعض الدفء أو النسيان تنهمر من عين كل طفل، وتنفجر  من كل اسم يحمل نفس الاسم، فأحاول حينها أن أهرب من صوت المرارة التي تجلد فكري ووجداني، فأواصل السير بخطى وئيدة خارج المدينة/ القاهرة...أمكث ساعات متأملا وجهها البارد، الغارق في البلادة والحزن والصامت عن سبق إصرار وترصد لمنظر الحز والتمثيل...ها أنا الآن  أسمع هذا الأنين الممزوج بضحكاتهم الملائكية فتعتريني هزة طرب قصوى مشوبة بهزة ألم حيرى...

- إن ضحكة الأطفال لا تموت أبدا...

أسمعها كصدى لصمت اعتقدت موته

وأسمعها بشكل أكثر وضوحا من قبل:

- إنها أربعينية محمد. لقد حملوا الورود عن آخرهم، وهو قد شق الكفن والقبر واعتلى قبة الساحة ينتظر وصولهم. وطبعا سيعيدون تمثيلية الموت والحياة، وبعدها سيتراشقون بلغة الورود والماء، وسيأكلون ما جف من ثمار لم تعلق بعد بها آثار اليورانيوم المخصب والأمطار الحمضية والأسمدة الفاسدة. سيضحكون كثيرا من خوف الخائفين قبل أن يسخروا من جنون البشر،  وجنون العصر؛ هرطقته وعدوانيته ودنسه اللامتناهي.

  كما لا ينسون وهم يضربون موعدا للقاء آخر أن يبصقوا في وجه السفلة، قتلة الحمائم، وحارقي أغصان الزيتون، ومدنسي براءة الطفولة...

----------

أترك المكان، وأرتاد الغروب الذي ينتظرني، كان هناك قتل في جهة، وكان البعث في جهة أخرى، وبين القتل والبعث أتنزل بذاتي المطحونة بآلة الإبادة والدمار، أهمد,...ثم أنتفض. ثم أدخل البيت لألقى أطفالي بالأحضان، وفي خيالي بعض قصص الثعلب مع الحمامة وفراخها، والطائر الحزين، وما جرى للفيل مع القبرة من وقائع لم تمت حتى الآن...

وأخرى تناسلت توا، وأود التعبير عنها بالحكمة، أو أخذ العبرة، ولكن أيضآ بهدف إعلان انتحارهما معا... وأنا شارد وفي تفاصيل بعضها، وغاضب حين ألتفت للشاشة وهي تقدم نفس اللقطات الموجعة، حاولت العودة للحلم، لكن صوته الرقيق قال:

- لماذا تأخرت أبي...فأين وعدك لي بإصلاح دراجتي المعطوبة؟

وقال الثاني الذي أوشك أن يشب عن الطوق:

-كأن الجميع على اتفاق لسحق الجميع...!

صمت قليلا... ثم خرجت من براءة الأسئلة وغفالاتها فقلت للأول:

- غدا سأصحبك معي إلى محل بيع الدراجات لأشتري لك أخرى، إذا ثبت عدم إمكانية إصلاح دراجتك، أو أن ثمن إصلاحها يكلفنا الكثير...

------------

كان علينا أن نجتاز عدة متاريس، وأكشف للأوغاد عن بطاقتي الشخصية، وأدور دورتين  أو ثلاث أثناء تفتيشهم لجيوبي و...في الطريق بدا لي أن أمر كل هذا الحصار لا يهمه، كانت الدراجة الصغيرة بالنسبة لـه عالمه الكوني. تكلم معي ونحن نسير، عن اللصوص الذين يريدون خطف دراجته فقلت:

- إنهم ضغطوا فقط على العجلات، وجسوا نبضها بأحدث الآلات خوفا من أن تكون قد احتوت سلاحا متفجرا...

سألني عن معنى هذا الخوف فقلت:

- إن الذين يسرقون.. يخشون دوما ممن يحاول استرداد ما سرقوه.

- أو سرقوا شيئا منا يا أبي؟

- أجل، ولا يزالون يمعنون في السرقة حتى الآن؟

- أبي!! (قال ذلك بلهفة ودهشة):

- تذكرت الآن. قرأنا ذلك في درس التربية والتاريخ. معلمتنا قالت:

- إنهم سرقوا الوطن...

- أجل...أجل...

صمت الصغير، وتطلع إلى كمن يود أن يفهم سر اقتضاب الكلام، وخواء حدوده المبتورة. قلت له: إن أخاك سيشرح لك معنى اللصوصية شرحا وافيا، لأنه بدأ يفهم الآن أحسن مني.

وقد يكون قد خرج كنتيجة لهذا الفهم لمحاربتهم. إني أتمنى أن يفعل ذلك في غيابي...

- إني أتمنى...أتمنى...

وواصلنا الطريق إلى أن وصلنا الدكان. ألفينا الكثير من الزبائن يلحون على ضرورة  إلصاق سلل إضافية على مؤخرة دراجاتهم. كانوا يرددون نفس الجملة:

- خزان وقود إضافي...

ابتسمت. نظر الصغير وقال:

- أنا لا أريدها أن تتسع لأكثر من دفاتري وأقلامي...أريدها حلوة خفيفة تطير في الهواء.

في الطريق، وقد عدنا بالدراجة بعد إصلاحها، بدأت فرحة العصافير على وجنتيه تتسع، وتعبر، زقزق وهو يحرك مقود العجلات:

- علي أن أعود بسرعة، فموعد المدرسة اقترب. وعلي أن أهيئ دفاتري ومحفظتي وأضعها خلف دراجتي. وقبل ذلك يلزمني إلقاء نظرة على درس اللغة العربية.

- أي درس؟ قلت.

- "في العطلة الصيفية القادمة".

- صمت عن الحال المرتقب، لاحظ ارتباكي وفرحي في آن. نظر ثم أدار وجهه جهة المتراس الذي أوشكنا الاقتراب إليه وهو يقول:

- ألم تعدني برحلة الصيف إلى...

-أجل يا بني، يمكن ذلك، أعني لك الحق في أن تحلم بحقك في الشمس والبحر والجبال، والعودة والذهاب والإياب، وبالمقاعد والكلام، وبإزالة المتاريس وإخراج اللصوص و...و...

انتبهت إلى استرسالاتي  وتماسكت وهو يتأملني في حيرة واندهاش...

في الجهة المقابلة، كان الجمهور مفزوعا، وهو يهرول إلى غير اتجاه، والرصاصات تتدفق كالسيل المنهمر، انحرفنا جهة اليسار، طالعتنا دبابة وجنود، عدنا لجهة اليمين، طالعتنا أيضا كتيبة كاملة، اختلط فيها المدني المسلح بالجندي المحترف. غصت في أعماقي خوفا على الطفل الذي بدأ يتحسس دراجته بشكل لافت كمن يخشى افتقادها. انتبهت للأمر، وحملتها بيساري فيما يدي اليمنى تضغط على يده، وتتلمس كل أجزاء جسمه الصغير خوفا من انزلاق المحذور.

- لقد حوصرنا يا ولدي...

قلت ذلك في الوقت الذي طرق سمعي صوت مليء بالحقد والانتقام:

- استسلموا  يا أولاد الأفاعي، فلن تقيكم الصخرة ولا الجدار، وحتى النيل والفرات ورقراق بمياهها الصاخبة...استسلموا  فأنتم وحدكم في الميدان.

في خضم هذا الوضع الصعب، كان لزاما أن أتجنب سيل الرصاص. اتكأت بجانب حائط، وتهيأ لي أن ثمة أمامي برميل قمامة ضخم. حضنت الصبي وجرجرنا جسدينا للاحتماء به، والرصاص يسبق هرولتنا المذعورة. فيما نحن على هذا الحال برزت طاقية سوداء كالفحم، وخوذة تلمع سداسيتها بشعاع الشمس الفاتر، رأيت أصابع تشير نحونا. انتبهت للأمر المرتقب، فلوحت بيدي معلنا سلمي للعالم.  فيما كان الصغير يلتصق بظهري ليحميه بجسده الصغير، ويرص عزيمـته لاختراق الرصاص...

وتتالت رصاصات الحقد

وانفجرت شهوة القتل

انتفض عصفوري الحبيب ثم همد...

فارقتني لحظاتي. فتحت فمي في وجه القبح الماثل، وغبت لحظة، رأيت فيها ما رآى الحالم أن طائرا أبيضا ضرب بأجنحته حولي سدا منيعا، ثم زقزق على روحي الضمآنة فسقاها قطرة ماء زلال، لم أذق طول عمري مثلها، تأملني جيدا، ثم نط بعيدا. حمل حجارة سوداء وحلق في الأعالي حيث أسراب بيضاء من الطيور تنتظره...

-----------

حين عودتي وحيدا. ومعي دراجته، زغردت مريم واتشحت بالبياض، وصلت ركعتين. أما عنقودي فقد ملأ سلة الدراجة بالحجارة. وخرج. وحين هممت بالكلام قالت:

- دعه يذهب الآخر، ففراخ الحمامة قد وعت كذبة الثعلب.

وأطلقت زغرودة أخرى، فيما كان الجيران يهرعون إلى بيتها في صمت ومهابة وجلال لتقديم التعازي...