ترتبط التربية بأوضاع المجتمع وظروفه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية واللغوية، وذلك لأنها إحدى ظواهر المجتمع الاجتماعية، ولهذا فهي ترتبط في نشأتها وتطورها ووظائفها بالمجتمع، وظواهره الاجتماعية الأخرى. وسواء نظرنا للتربية باعتبارها ظاهرة اجتماعية ونظاما اجتماعيا أو عملية اجتماعية، فان نظرتنا لها تؤكد على أهمية دورها الوظيفي بالنسبة للمجتمع، فهي كنظام أكاديمي تسهم في دعم المجتمع وتأكيد مقوماته وقيمه لدى أعضائه، بالإضافة لما تسهم به بالنسبة لإكساب أعضائه من الخبرات والمهارات ما يمكنهم من شغل أدوارهم في المجتمع. وبصفة عامة يستخدم مصطلح التربية " éducation" في قاموس التربية ليشير لجميع العمليات التي بواسطتها تتم تنمية قدرات الشخص واتجاهاته وأشكال سلوكه الأخرى، وتنمية القيم الايجابية التي يؤكد عليها المجتمع الذي ينتمي إليه. وبتحليل التعريفات المطروحة حول التربية في مجملها يتضح أنها تشير إلى طبيعة مضمونها الاجتماعي، سواء بصورة ضمنية أو بصورة واضحة، فتعريف " أفلاطون" مثلا يؤكد على القيمة النفعية للتربية لدعم عوامل الاستقرار الاجتماعي في النظم الاجتماعية للمجتمع، كما أن " ابن خلدون" قد اهتم بوضع وتحديد أسس التربية في ضوء الظروف والواقع الاجتماعي للمجتمع، أما بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي " أجست كونت" فقد ذهب إلى أن تطور التربية قد خضع للتطور الطبيعي للمجتمعات البشرية، والذي يعبر عنه قانون المراحل الثلاث للتطور من المرحلة الدينية إلى المرحلة الميتافيزيقية ثم المرحلة الوضعية العلمية، ثم تتحدد معالم الفهم السوسيولوجي للتربية بصورة أوضح على يد عالم الاجتماع الفرنسي الآخر " إميل دوركايم" وذلك لأنه يرى أن التربية بمثابة تكيف الإنسان مع بيئته الاجتماعية. التربية تبدو بل إنها فعلا نشاط بشري يوجد في مختلف المجتمعات البشرية قديمها وحديثها، وان كان طابع هذا النشاط يتحدد بظروف المجتمع وأوضاعه، إلا أن لها وجودها الخاص المستقل والذي يعم جميع النماذج الاجتماعية، وهي بذلك ظاهرة اجتماعية، كما سبقت الإشارة لذلك، تتفاعل مع ظواهر المجتمع الأخرى، تؤثر عليها وتتأثر بها. ونظرا لهذا التشعب والتداخل الكبير في تعريفات مصطلح التربية، فقد اعتبرت موضوعا أساسيا لعدد من النظم العلمية الرئيسية التي تهتم بفهم السلوك البشري مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد وعلم السياسة

امبارك راشعيب

( كلميم)