بقلم د خالد أقلعي

يعتقد فولفجانج إيسر، شأنه في ذلك شأن هانز روبرت جوسن وباقي أعضاء " مدرسة كونطانس " école de constance ، في أن حقل التحليل الأدبي يقتصر على النظر في الإبداع والكاتب، متجاهلا الجزء الجوهري في عملية الإبداع ( القارئ) متلقي الرسالة الأدبية، والذي لا معنى للإبداع بدون مشاركته. إن مؤلف فولفجانج إيسر يصنف ضمن " ظاهراتية القراءة ويبين أن دور القارئ أساسي في عملية إنتاج " الأثر الجمالي "l'effet esthetique " ليس الإبداع مجرد نص وحسب إنه يأسس بواسطة نمو ديناميكي علاقة التماهي ما بين القارئ والنص، هذا التداخل الذي أصبح ضروريا بفعل طبيعة النص الأدبي ذاتها : فمن جهة يتميز بنقصانه نبعدم اكتماله الذي يستدعي استعراضات القارئ المختلفة، ومن جهة أخرى يستلزم " مجموعات متعددة من التوجيهات " التي تفرض نفسها على القراء وتراقب نشاطهم. يحدد أي إبداع بواسطة بنياته " قارئه الشريك" و " يقترح على قرائه المفترضين بعض أدوار " فيأخذون حريتهم في التأويل، هذا يفسر في نفس الآن خلود الإبداع وتعدد مستقبليه. هكذا، يتبين تحديد الإبداع الأدبي بتعدده القطبي ،فهو يجعل العلاقة ما بين النص " القطب الفني " والقارئ " القطب الجمالي" وفق دينامية ليستموجهة كليا بواسطة النص " هذا الانفصام هو ما يؤسس إبداعية التلقي ". إن استشهادات سترين ( روائي انجليزي استوحى منه ديدرو رائعته جاك القدري ومعلمه) تبين كيف أن بعض الكتاب كانوا على وعي تام بأن إسهام القارئ هذا في تكوين الإبداع تؤسس لذة القراءة. أثناء القراءة حيث ينتج التماهي الجوهري بالنسبة لكل إبداع أدبي، بين بنيته ومستقبله ولعل هذا ما جعل فينومينولوجية الفن تثير الانتباه إلى واقع أن دراسة الإبداع الأدبي ينبغي أن تروم فهم النص إلى أبعد من شكله …]]. يمكن القول إن للإبداع الأدبي قطبين : القطب الفني والقطب الجمالي. يستند القطب الفني إلى النص المنجز من قبل الكاتب بينما يرتبط القطب الجمالي بالتثبيت المنجز من قبل القارئ، هذه القطبية تبين كيف أن الإبداع الأدبي لا يمكن اختزاله في النص ولا في ملموسيته التي ترتبط بدورها بالشروط التييحينها فيها القارئ إن.موقع الإبداع الأدبي إذن هو ذاك الذي يلتقي عنده كل من النص والقارئ. إنه يتسمبالضرورة بطابع افتراضي في الوقت الذي لا يمكن أن يختزل لا في النص ولا في الاستعدادات الموضوعية للقارئ. من افتراضية الإبداع هذه تنبع ديناميته التي تؤسس شرط الحدث المنتج بواسطتها، لأجل هذا لا وجود للنص إلا بفعل تأسيس إدراك يتلقاه ،وليس إلا أثناء القراءة حيث تدرك قراءة الإبداع سلوك تطورها الخاص. من الآن فصاعدا لا ينبغي لنا أن نتحدث عن الإبداع إلا عندما يكون ثمة وجود لحالات داخلية في النص، سيرورة تأسيس من قبل القارئ .وهكذا يصبح الإبداع بمنزلة تأسيس للنص في وعي القارئ.... ولكن القراءة تداخل ديناميكي ما بين النص والقارئ. لأن العلامات اللسانية للنص وتوليفاته لا يمكن أن تضطلع بوظائفها إلا إذا أطلقت أفعالا تقود إلى تحول النص في وعي القارئ. هذا يعني أن أفعالا مثيرة من قبل النص تنفلت من رقابة النص الداخلية. هذا الانفصام هو الذي يؤسس إبداعية التلقي. يثبت هذا الفهم انتاجات أدبية قديمة نسبيا، لقد أعلن لورينس ستيرن من قبل في مؤلفه تريستام شاند : لا كاتب تم إعلامه بالحدود التي يفوضها كل من الفاسد والطيب .ينتبه إلى كل الأفكار أصدق.معارف الذكاء وأكثرها احتراما للغير تدعو هنا إلى تقطيع الاجاصة نصفين وترك القارئ يتخيل أشياء بعدك " وإذن فإن كلا من الكاتب والقارئ يأخذ حصة مساوية في لعبة الخيال، لا تصبح القراءة متعة إلا بدخول الإبداعية ساحة اللعب، وفقط إذا منحنا النص فرصة لاختبار كفاءتنا. لا شك في إن ثمة وجود لحدود خاصة بهذه الإنتاجية وهي حدود تبدو متجاوزة إذا قيل لنا كل شيء بوضوح كبير أو بدقة أقل .الملل والتعب يرسما نقط الحدود السيكولوجية التي تجعلنا خارج اللعب " Walfgoug Iser L'acte de lecture 1976. Trad FR éd mardaga 1985 pp 48-49 198-199