بقلم يوسف الصروخ

مازلت أحتفظ بأولى محاولاتي لكتابة مذكراتي، لكنها تفقد قيمتها يوما بعد يوم، مبالغات كثيرة تقلل من شأنها، و كمية كبيرة من الكذب حشوتها بفنية، ثم بعد مرور السنوات لم استطع فرز الحقيقة عن الكذب. في واقع الأمر تجنبت الكتابة بصدق، لانني كنت أخشى أن تقع أوراقي في يد أخي الاكبر، الذي كان فضوليا الى حد كبير، كان هناك ايضا رفيقي الذي سكنت معه لمدة 3 سنوات بالرباط أيام الدراسات الجامعية,هو ايضا كان يجد لذة عظمى في ملاحقة كل ما تخطه يدي.كان يفاجئني في بعض الاحيان بذكر مقاطع تخص علاقاتي ببعض الطالبات اللواتي وقعن بحبي,ثم استدركن الامر فانتبهن الى دروسهن قبل فوات الاوان.عندما كنت بالرباط,لم استطع منح قلبي لاحد,قلبي لم يكن وقتئد يصلح لشيء، كان مرتعا للشك والأسئلة المحيرة، وكان يسكنه يأس لم أستطع تحديد مصدره وأسبابه. بعد انتهاء مرحلة الجامعة، لم أعد الى كتابة المذكرات، حينها وقعت في حب امرأة. بعد مرور سنوات، قررت أن أكتب مذكرات أبي، أو بأحرى أبي وإخوته، كانوا أناسا بسطاء وشرفاء وأثروا في حياتي كثيرا، لكني بعد كتابة صفحة واحدة، تركت الامر. أتذكر أنني سألت أمي عن حياة ابي وأخوته عندما كانوا صغارا، قالت لي : " من الافضل أن تنتبه الى مستقبلك، قصة أبيك واخوته قصة ايتام، قصة ألم، ثم ماذا تتوقع من ايتام في بادية قاحلة تحت سلطة زوجة الاب". قلت مع نفسي حينها، يجب أن ابتعد بسرعة، لا اريد نبش ماض بائس، في الحقيقة أمي دائما تميل الى المبالغة، فلم تكن حياة أبي واخوته ماساوية الى هذا الحد فبعد أن هاجروا الى طنجة، استطاعوا أن يعيشوا في استقلال وكرامة. مع الصديقة الاسبانية مونتسي الأمر اختلف، لقد طلبت منها أن اكتب مذكراتها وأن ننشرها في كتاب بعد ذلك، طلبت مني أن نؤجل الأمر، أصابها بعض الخجل بسبب رغبتي تلك، انها لاترى في حياتها ذلك الغنى الذي يؤهلها أن تضمن في كتاب يقرأ. كنت اعرف عنها الكثير انها امرأة مكافحة، ومثقفة وصديقة جيدة، تركها زوجها بأربعة اطفال صغار واستطاعت بارادتها وذكائها أن تربيهم وتعلمهم، وفي خضم برشلونة المدينة الكبيرة، استطاعت أن تجد لنفسها موقع قدم تحت الشمس، لكن حياتها لم تكن جذابة بما فيه الكفاية، أقصد انني لم اكن متحمسا فماعدا كفاحها بعد الطلاق لم يثرني شيء آخر في حياتها، وكنت أخاف من انضباطها وجديتها، لهذا عندما طلبت مني تأجيل الأمر احست بسعادة طفيفة فساعتها لم اكن مستعدا لانصت لحكاياتها وحروبها وانتصاراتها، مونتسي كانت بالنسبة لي صديقة جيدة و مستشارة ذكية في بلاد غريبة عني.على العموم لم اعمل بالعديد من نصائحها, لانها كانت لا تتماشى مع طبيعتي, بعد دلك لم نعد للحديث عن مذكراتها ومن جهتي لم اعد الى تكرار طلبي، حينها بدأت الاعداد للمعرض الذي أقمته باحدى مقاطعات برشلونة حظرت مونتسي افتتاح المعرض وشربت معنا شايا أخضرا وبدأت تتحدث عن اعمالي، بدأت المسكينة تقرأ ما لايرى من أعمالي كنت أقول مع نفسي : " أكل هذا يوجد في أخشابي وأحجاري هذه ؟" ليس حقيقة ما تقوله الصديقة فجل أعمالي لا تستحق أن تسمى فنا لم أعترف لأي أحد من المدعوين بهذا وبدأت أستمع بملل و سخرية الى تعليقاتهم واطرائهم بيني وبين نفسي أقول " ما معنى الفن وما معنى الحرية ؟" أتذكر أن أحد الزوار بدأ يقول لي : "أنت عبقري" مهنته طبيب بيطري، وزوجته مغربية تزوجته لتحصل على اوراق الاقامة، سألت نفسي حينها: " كيف يصفني هذا البليد بالعبقرية وهو لا يعرفني؟" وكل ما اعددته في ظرف شهرين لا يمت الى العبقرية بصلة على العموم كل الزوار شربوا شايا اخضرا وكلهم ملؤوا أسماعي بكلمات الإطراء المتسرعة. بعد عودتي إلى المغرب اكتشفت ان فكرة كتابة مذكرات أحد ما لم تمت بداخلي بعد جلسات ممتعة مع السيد عبد الصمد ( شارلي) قلت هذا ما كنت ابحث عنه، قصة مرشد سياحي تجاوز السبعين من عمره، هو بالضبط ما كنت أبحث عنه كمية الآلام في حياته قليلة فحتى عندما يتحدث عن مرض وموت ابيه لا يبالغ في ذكر الجوانب المأساوية بقدر ما يذكر تفاصيل مضحكة ومسلية رافقت الحدث مثل الهدايا التي كان يقدمها لابيه المريض والصراعات العائلية المسلية