تقديم : د/ سليمان إبراهيم العسكري

1_619798_1_34

في الحكاية الخرافية القديمة تقف الساحرة أمام المرآة لتسألها عن أجمل امرأة في العالم، ولكن المرآة لا تجاملها و لا تخشى سطوتها بل تصفعها دائما بحقيقة قبحها، وان هناك من هو أجمل منها بكثير، وفلسطين هي مرآة الذات العربية التي تواجهها صباح مساء، مهما حاولت هذه الذات أن تختفي خلف الأقنعة أو أن تزين نفسها بالأوسمة الزائفة والشعارات الطنانة فان المرآة لا تنخدع ولا تقدر أن تخادع. أكثر من خمسين عاما مرت على ضياع فلسطين تغير فيها العالم كثيرا وكأنه انقلب إلى النقيض لم يعد هناك مكان لحكمة الحكايات الخرافية ولكنه أصبح مكانا للرعب والقسوة دون مبرر ودون حكمة، اختفت الساحرات رعبا أمام التهديد النووي والتلوث البيولوجي ومازالت المرآة قائمة بإطارها العنيف وما زلنا كعرب نطرح عليها الأسئلة العقيمة ذاتها، في عام 1948 عندما سلب الجزء الأول من فلسطين كشفت المرآة للذات العربية عن مدى تغيبنا عن العالم، وكيف أنهم يعيشون في أوطان رسمت خرائطها دون علمهم، وحاصرتهم أسلاكها الشائكة دون أن يدروا من أين تبدأ هذه الأسلاك ولا إلى أين تنتهي، وفي عام 1967 عندما ضاع الجزء الباقي من فلسطين وأجزاء أخرى من أوطان أخرى كشفت المرآة للذات العربية زيف الدولة الوطنية التي كان العسكر يدعون أنهم يبنونها، كما كشفت زيف شعارات التقدم والحرية التي كانت ترفعها هذه الدول فإذا بها مجرد دول بوليسية تستأنس على مواطنيها وترتعد فرقا أمام منجديها ولم تتوقف الصور المتحكمة على صفحة المرآة بعد ذلك، تكشف عن أكثر الأمور غرابة وبعدا عن المنطق في عالمنا العربي اشتعلت الحروب العربية – العربية وكالعادة بدأت بالكلام وانتهت بالسلاح عملا بالمثل العربي القائل : " الحرب أولها كلام "وعرفت المدن العربية من القتل والتدمير أكثر مما عرفته في حروبها مع إسرائيل وقامت جيوش أنظمة عربية أخرى- وقد ضلت طريقها إلى القدس- باحتلال أراضي جيرانها وانشغلت أنظمة أخرى بمحاولات مميتة للتقرب من إسرائيل وعبثا حاول الجميع الاختفاء من المرآة الفاضحة والتظاهر بأنهم أبطال قوميون، ولكن المشهد العربي في نصف القرن الأخير كان غريبا لم يكن رقيقا وحالما كما في الحكايات الخرافية ولا يحمل جلال المآسي الإغريقية ولكنه كان هزليا ومرعبا في آن واحد، كأنه مشهد متكرر من إحدى مسرحيات الارتجالية أو" الكوميديا دي لارتي" التي كنا نقرأ عنها قديما، ومن المشاهد المؤلمة في المرآة منظر المواطن العربي الذي لم يفقد إيمانه أبدا بعدالة القضية الفلسطينية، فقد مثلت فلسطين جزءا دائما من إحباطه الشخصي حتى في البلدان التي لا تربطها حدود مباشرة معها، لم تخل مدينة عربية من التظاهر من اجل الإخوة المحاصرين في الأراضي المحتلة، لم يخرجوا من اجل فقدان حريتهم السياسية ولا من اجل متاعبهم الاقتصادية ولا من اجل هزائمهم الشخصية ولكنهم خرجوا من اجل حلم غامض في التغلب على الألم الذي يقض مضاجعهم ألم العدالة الضائعة والرجولة المفقودة في اصغر الإحياء العربية وأفقرها ألفوا لجانا للمناصرة، وجمعوا الدعم من قروشهم القليلة وكالعادة تكشفت في المرآة صورة رجال الأمن وهم الأنظمة العربية وهم يترصدون دون رحمة هؤلاء المتألمين، وتسلط عليهم خراطيم المياه وتطلق عليهم الغازات المسيلة للدموع، والرصاص الحي أحيانا ثم تقودهم إلى السجون لا إلى الحدود