للدكتور جمال الدين بنحيون

احتضنت مدينة إشبيلية ما بين التاسع عشر والثاني والعشرين من مارس 2006 "المؤتمر العالمي الثاني للأئمة والحاخامات من أجل السلام". ومن أهداف هذا المؤتمر تجسير الهوة بين الأديان، وخاصة بين الإسلام واليهودية، وتشجيع رجال الدين المتنورين على الانخراط في نشر قيم التسامح بين الشعوب والإسهام في محاصرة العنف وحل النزاعات. وفي تقديري، تكمن أهمية هذا اللقاء في كونه يحاول إعادة تحديد وظيفة الدين باعتباره أداة سلم وحوار وليس ذريعة للعنف والكراهية بعد أن استغل الدين عبر الأزمنة والقرون في الحروب والغزوات والتطاحن والكراهية والأحكام المسبقة.

كثيرة هي الحروب والمجازر والمآسي التي ارتكبت باسم الدين هناك وهنا، في الغرب كما في الشرق؛ والمفزع هو أن الحضارات جميعها، عبرانية ونصرانية وإسلامية، مازالت إلى الآن تتنصل من ضرورة مراجعة الأضرار التي لحقت البشرية من الاستخدام السيئ أو المنحرف للدين. لذلك، فإن إعادة فهم الدين بوصفه منبع قيم سماوية رفيعة مشتركة بين الشعوب والثقافات يقتضي نقد تاريخ الأديان كلها بشجاعة ودقة وتمعن وتمكن. ولا يمكن إعادة المعنى المتمدن للدين إلا بتفكيك تاريخ الأديان بواسطة مناهج دنيوية خالية من التأثير الديني.

أن يجلس الأئمة والحاخامات جنبا إلى جنب، فذلك مشهد راق ومؤثر وضروري في عالم بلغ فيه التوتر بين الشعوب، وخاصة بين اليهود والمسلمين مبلغا خطيرا. لكن رجال الدين، للأسف، غير قادرين على مواجهة تاريخ دياناتهم، وإعادة تأويل ذلك التاريخ وتفكيك بنيات العنف فيه التي أصبحت جزءا من الدين ومقصدا له. للديانات السماوية تاريخ مشترك من الممارسات العنيفة، كان عنوانه دائما ثابتا في صياغات متعددة: "العنف من أجل الدين" و"القتل من أجل الدين" و"الحرب من أجل الدين" و"الاستعمار من أجل الدين" و "محاكم التفتيش باسم الدين" و"المحارق باسم الدين" و"الانتحار من أجل الدين" و"الخطف من أجل الدين" و"التفجير من أجل الدين" و"الإرهاب من أجل الدين"...إلى غيرها من الصياغات الدموية المتكررة.

يستلزم نقد الخطاب الديني الحفر في تاريخ الأديان مجتمعة وتتبع مساراتها التبشيرية أو الدعوية عبر الجغرافيات التاريخية والمجتمعية. لكن نقد الخطاب الديني لا يمكن أن يكون ذا منفعة واضحة ومشتركة إلا بتجاوز المنطلقات المتعصبة والتأصيلية التي ترمي إلى تغليب دين على آخر أو حصر عملية نقد الدين في موضوع واحد وثقافة واحدة وفضاء واحد. ينبغي توجيه عملية التأريخ للعنف الديني انطلاقا من مناطق التلامس الثقافية والتاريخية والإيدلوجية التي غالبا ما اعتملت ضمنها عناصر عقدية متعددة ومتباينة، وهي مناطق ليست بالضرورة دينية بالمفهوم الضيق للكلمة.

ويترتب عن الحفر في تاريخ الأديان وسيروراتها الزمنية والخطابية حتمية انزلاق الجدل الديني من الحقل الديني الصرف نحو الحقل المعرفي الشمولي والدنيوي. لقد أصبح السؤال الديني اليوم غير ديني بمعنى أن هذا السؤال تجاوز حدود الدين إلى مواطن أخرى معرفية وثقافية وسياسية ومجتمعية. وقد أسهم العنف الديني بطبيعة الحال في تيسير عملية الانزلاق هذه وفي جعل موضوعة الدين محط تأويل ونقد وجدل خارج أسوار الكنائس والمعابد والمساجد ومعاهد الدراسات اللاهوتية والشرعية وخارج حدود المعرفة الدينية الأصلية.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وبعد تفجيرات بالي والدار البيضاء ومدريد ولندن وعمان والرياض، وغيرها من الوقائع المسترسلة والمفجعة في العراق، أصبح الحديث عن ماهية الإسلام، بشكل خاص، ومضامينه حديثا عاما ودارجا ومشتركا بين الألسن والثقافات والأمم. وليس القصد وراء الاهتمام بالإسلام اليوم في العالم الغربي على الأخص دينيا، بل في الأغلب الأعم دنيويا، أو بمعنى آخر ثقافيا وسياسيا. ويسعى الكثيرون في الغرب إلى محاولة إعادة تأويل الإسلام ومعاداته ومحاصرته انطلاقا مما يجري على الأرض من أحداث ووقائع وليس استنادا إلى المعارف الإسلامية المدونة في كتب السيرة وكتب الفقه ونصوص الشريعة، أو من خلال ما يقدمه الوعاظ والدعاة والأئمة في المساجد والندوات ووسائل الإعلام.

تتحدد موضوعة الإسلام اليوم في الغرب ويتم تنميطها وتأويلها وترويجها هناك من خلال الممارسات والأحداث والتفاعلات السياسية وليس من خلال المعارف والنصوص والشروح الدينية. فمن الصعب الحديث عن الإسلام في أوربا وأمريكا وغيرها من المناطق دون الرجوع إلى موضوع الهجرة والمهاجرين، وقضية الحجاب، ومسألة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والإرهاب، وحرب العراق، وحرب أفغانستان، والنزاع الغربي-الإراني، والنفط، ومواضيع أخرى من قبيل مفهوم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية...وقد يكون المثال الأوضح والأقرب إلى الذاكرة، لتوضيح ما نعنيه بتأويل الإسلام في الغرب انطلاقا من الأحداث والوقائع والممارسات وليس انطلاقا من الأحكام والنصوص والمعارف، حدث نشر الرسوم الكاريكاتورية للرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، في الثلاثين من سبتمبر 2005 من طرف إحدى الصحف الدانمركية. والحقيقة أن تلك الرسومات "السيئة الذوق"، على حد تعبير البريطانيين، لا تمثل رسومات للرسول بقدر ما أنها تشي بتأويل غربي منمط للإسلام على ضوء بعض الأحداث والتفاعلات.

ما أردت بسط بعض الحديث بشأنه في هذا المقال على هامش انعقاد مؤتمر إشبيلية هو ضرورة تحويل التأويل الديني، خاصة في العالم الإسلامي، إلى معرفة إنسانية ومفاهيمية منفتحة وغير مقيدة وغير مشروطة باعتبار أن الدين اليوم يشكل جزءا واضحا من الجدل العام المحتدم حول تفاصيل السياسة والثقافة والاقتصاد في المجتمعات الغربية كما في المجتمعات الإسلامية. لذلك فإن جلسة الأئمة والحاخامات المشتركة تبقى ناقصة بدون حضور المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين لم يعد بإمكانهم التأمل في قضايا الإنسان ومنظومات القيم الكبرى دون استحضار مقولة الدين. إن الدين نفسه هو المستفيد الأكبر من تحرير الفعل التأويلي وجعله مشرعا على باقي المعارف الإنسانية الدنيوية. ولا يمكن للأديان أن تتحالف إلا بتحالف المناهج والقراءات والتأويلات.