كما هو معروف، وقبل نفي الملك الشرعي للبلاد من طرف سلطات الحماية الفرنسية، كانت هناك اتصالات بين الحكومتين الاستعماريتين الفرنسية والاسبانية، وآخرها تجسد في لقاء بين المقيم العام الفرنسي والمقيم العام الاسباني في مدينة العرائش بفندق " EL PARAFETO DE LARACHE" الذي كان يوجد بالطريق المؤدية من العرائش إلى القصر الكبير، وفي هذا اللقاء كانت السلطات الفرنسية قررت عزل الملك الشرعي للبلاد عن عرشه جلالة المغفور له محمد الخامس، وكانت تعتبر أن هذا اللقاء لم يكن إلا لقاء إخباريا للسلطات الاسبانية، غير أن السلطة الاسبانية كانت تريد معرفة ما إذا كانت فرنسا بهذا الإبعاد تريد إلغاء نظام الملكية بالمغرب، حيث لاحظت اسبانيا على الفرنسيين أنه مادام أن النظام الملكي سيبقى قائما فان أحقية  اعتلاء عرشه يجب أن يكون في شخص الخليفة السلطاني مولاي الحسن من عائلة محمد بن يوسف، وهو الموقف الذي لم يكن يرضي الحكومة الفرنسية، ونظرا لهذا الموقف انفردت السلطات الفرنسية باتخاذ قرار النفي.

وبعدما تم نفي جلالة الملك محمد الخامس، كانت للسلطات الاسبانية مخططا لمواجهة هذا الإجراء، وهو المخطط الذي كان هدفه انفصال منطقة شمال المغرب عن باقي الأراضي المغربية وإعلانه كإمارة قائمة بذاتها، وكانت ستضع على رأسها باشا العرائش الريسوني، ومن أجل تحقيق هذا الهدف بدأت الإقامة العامة الاسبانية في تنفيذ مخططها على الشكل التالي :

1-            قام المقيم العام الاسباني باستدعاء كل الباشوات والقواد والأعيان والعلماء من جل مدن وقرى منطقة الشمال للحضور في مهرجان خطابي أقيم في ملعب كرة القدم بسانية الرمل في مدينة تطوان، حيث تخلف عن الحضور في هذا المهرجان الخليفة السلطاني مولاي الحسن بن المهدي الذي ربما كان على علم بالمخطط الاسباني.

وقام المقيم العام الاسباني رفائيل غرسيا بالينيو بإلقاء كلمة في هذا المهرجان معلنا أن فرنسا ارتكبت إجراما في حق الملك الشرعي للبلاد حينما قامت بنفيه واستبداله بملك آخر، وأن الحكومة الاسبانية تعلن من خلاله عن عدم الاعتراف بالملك بن عرفة وأنها ستبقى وفية للاعتراف بالملك محمد الخامس، كملك شرعي للمغرب.

2-            وبعد هذا كتفت الإقامة الاسبانية كل جهودها في الاتصال والمحادثات مع كل القوات الحية في شمال المغرب من علماء وسياسيين وباشوات وقواد وأهالي في نطاق تغيير سياستها في شمال المملكة مع إعطاء بعض الحريات مع تطبيق نوع من التفتح.

ومن جملة هذه الاتصالات قام المقيم العام بنفسه باتصالات شخصية مع الأستاذ عبد الخالق الطريس بمدينة طنجة، حيث كان يقيم هناك نظرا لمنعه من الدخول إلى تطوان نظرا لخلافه ومواقفه السابقة مع السلطات الاسبانية الاستعمارية، ونتيجة هذه اللقاءات سمح للأستاذ الطريس بالدخول إلى تطوان، وكان دخوله هذا صحبة العلامة السيد عبد الله كنون.

وبدأت عملية التغيير الذي وعد بها المقيم العام تظهر على أرض الواقع، حيث قام بتعيين الأستاذ الطريس وزيرا للشؤون الاجتماعية وهي وزارة لم تكن من قبل، وكذا تعيين العلامة السيد عبد الله كنون كوزير للعدل والسيد محمد القطاوي وزيرا للفلاحة وهي وزارة لم تكن من قبل والسيد الشيخ زريوح وزيرا للتعليم وهي كذلك وزارة جديدة.

ومن جهة أخرى تم الترخيص بإنشاء حزب جديد وهو حزب المغرب وكان المؤسسون لهذا الحزب كلهم منحدرون من المناطق الريفية والجبلية والذي سيكون منافسا لحزب الإصلاح الوطني.

كل هذا تم في وقت كان جل المغاربة يعتقدون أن لا رجوع للملك محمد الخامس إلى عرشه، إلى أن تغيرت الأمور حينما ظهرت المقاومة المغربية ضد الاحتلال والمطالبة برجوع الملك محمد الخامس إلى عرشه.

إذن في ظل الظروف التي أشرنا إليها، ما هي الغاية التي كانت وراء مشاركة النخبة السياسية في هذا المخطط الاستعماري، هل كانت هناك صفقة بين السلطات الاسبانية وهذه النخبة، وماذا كانت نواياهم في حالة عدم رجوع الملك الشرعي إلى عرشه، هل الانفصال عن باقي أجزاء المغرب وهو المخطط الاسباني الشيء الذي لم يكن واضحا تماما خصوصا إذا نظرنا إلى النشاط الذي كان يقوم به الحزب الجديد، ألا وهو حزب المغرب الحر الذي بدأ يتحرك أعضاؤه في اتخاذ المخطط الاستعماري وهو التهييء إلى الانفصال، إذن ومن خلال نشاط هذا الحزب بدأت تظهر في الساحة بوادر تكوين حكومة في هذا السياق، وحتى أنه كانت تروج اسما أعضاء هذه الحكومة.

وفي الحلقة المقبلة سنتعرض بكل تفصيل عن هذه المخططات وكيف انهارت عندما أعلنت فرنسا التفاوض مع الملك محمد الخامس ومحادثات ايكس لبان.