عبد الكريم جبراوي

Jabraoui2000@yahoo.com

شرع الفلاحون في حصد منتوج أراضيهم من الحبوب لا سيما الشعير والقمح بنوعيه ، بعد موسم تميز هذه السنة بتساقطات مطرية منتظمة ذكرت المغرب بسنوات خوالي ...

والمتتبع لحركية السوق يلاحظ دينامية التجارة القبلية من باب الاستعدادات التي ينخرط فيها المنتجون والباعة والزبناء على حد سواء : منهم الحدادون الذين تعج محلاتهم بحرارة النار وحركات النافخ في " الكير " وهم يعملون على شحذ المناجل والمقصات أو يتفنون في صنع صفائح حوافر الخيل والدواب بالرغم من توجه عملية " الدرس " في البيدر بالدواب تسير نحو الاندثار بسبب المكننة ، ودكاكين أوخيام الباعة المزينة بأنواع المناجل المعلقة والمعروضة وبأنواع الأكياس التي يحتاجها الفلاح لتجميع الحبوب بعد شبه تخل من جانب الفلاحين عن عمليات التخزين داخل " المطامير " ،  أو الواقيات من لفحات الشمس الحارة " الترازة " وبشباك حمل التبن إلى البيادر أو المخازن والقنب التي تستعمل للتلفيف الآلي للتبن ، ثم موقف آلات الحصاد وازدحام الزبناء كل منهم يحاول أن يحدد ثمنا حسب بعد بقعته ومساحتها ونوعية ما هو مراد حصده وموعدا مع صاحبها ...

كل ذلك يحدث في ضجيج وصخب ، وفي هدوء وغفلة

الكل يتهافت على ما يريد في عجلة من أمره ، لايهمه عامل الإرهاق أو الكلل ، ولا يعير اهتماما إلا لمنتوجه تخوفا عليه من الطيور والحشرات والقوارض وهو الذي أمضى أزيد من سبعة أشهر في عمل متواصل حرث فيها الأرض وبذرها ونقاها من طفيليات الأعشاب وحين أثمر الزرع لم يفارقها كي لا يستغفله نهم الطيور  ، ولا يعنيه ارتفاع أسعار بقدر ما يعنيه اقتناؤها ، وغالبا ما يضطر المسكين إلى ابتلاع غلاء سعر أو نقص في الجودة ، وهو الذي أيضا يضطر إلى بيع إحدى ممتلكاته لاقتناء ما يلزمه في هذه الفترة بسبب الحاجة والعوز، وهو نفسه الذي يضطر إلى بيع منتوجه " للتخلص منه " أو لاستخلاص ما يمكنه من سد رمق أفواه بحاجة إلى خضر وزيت وسكر ولحم وملابس وتمدرس وتطبيب ...

في هذا الوقت أيضا تقف عقارب الساعة لتتلمس لها بعض الهدوء فتغفل عما يقع في السوق من تجاوزات ، لا تبالي بمعاناة هذه الشريحة من المجتمع لأنها لا ترى أياديها ترتفع في بورصة للقيم ، ولا تسمع تضجرها وتبرمها على شاشة تلفاز أو عبر الأثير ، ولا تتلمس حاجاتها واحتياجاتها من خلال أبواب مفتوحة أو منتديات ، ولا يهمها في ذلك سوى إحصاء عدد القناطير واحتساب نسب الإنتاج حسب الجهات والمناطق وحسب الهكتار..، ولا تكترث لثمن بيع المنتوج الذي ينزل إلى أدنى مستوياته في ظل كثرة العرض وقلة الطلب ما عدا من الذين يتحينون مثل هذه الفرص لتكنيز هذه القيم المنقولة ولإعادة البيع بأثمنة مدرة للأرباح الطائلة ...

  فماذا أعددنا  لهؤلاء الذين سنجد عددا كبيرا منهم طوابير مصطفة تنتظر العون كلما حلت مناسبة لتوزيع معونة ما سواء كانت في شهر رمضان الأبرك أو في الأعياد ، ولهؤلاء الذين سنجد زمرا منهم تقتحم المدن وتغزو المقابر في منظر رهيب  كلما حلت مناسبة عيد الفطر أو عاشوراء ؟ ماذا أعددنا للحفاظ على هؤلاء في قراهم ومداشرهم من أن يهجروها ويهجروا أراضيهم صوب المدن متسولين أو متسكعين أو مقيمين في هوامشها في ظروف لا إنسانية تكلف خزينة البلاد ما تكلف وتجعل من حلقة القضاء على مدن الصفيح دائرية المسار ؟ هل أعددنا خططا لإدماج هؤلاء في منظومة الارتقاء بالبلاد من حيث التأطير والتكوين وتطوير آليات الاشتغال لديهم وكذا عقلنة الإنتاج وتجديده بما يكفل تطور المردودية والقدرة على المنافسة والحفاظ على استقرارية الأثمنة ؟ ماذا أعددنا في سنوات الخير والبركة لسنوات عجاف  " لا قدر الله " ونحن المرتبطون أشد ما يكون الارتباط بتهاطل الأمطار ؟ هل فعلا أعددنا برنامج عمل لتعميم سقي الأراضي البورية – وهي الأعلى نسبة في المغرب – كما أن ساكنتها هي  الأشد فقرا واحتياجا ؟