بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

كل من عرفني من زملائي، لن تحصل لديه أية مفاجأة حينما يلمح عنوان هذا المقال وتحته اسم كاتبه. علاقتي بإدوارد سعيد الفكرية ترجع إلى عام 1989 لما كنت شابا متوقد الطموح في سنته الأخيرة من سلك الإجازة في الآداب الإنجليزية. ولا يخفى أن هذه العلاقة استمرت معي إلى اليوم. وأعتقد جازما أنه، ببساطة، لولا إدوارد سعيد لما تمكنت من أشياء كثيرة، منها إتمام أطروحة دكتوراه الدولة التي دافعت عنها قبل خمسة أعوام بثقة أقل بكثير مما كانت عندي وأنا في قسم الباكالوريا. لكنني في هذا النص القصير لا أود أن أحدثكم عن إدوارد سعيد صاحب كتاب "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" و"بدايات" و"العالم والنص والناقد"...ولا أريد أن أحدثكم عن مفهومه لمقولة الخطاب أو التمثيل أو الاختلاف أو السلطة والقوة والمقاومة وما بعد الاستعمار.... ولن أحدثكم عن الأحاديث الطويلة والمسترسلة حول أعمال إدوارد سعيد التي نجدها مفصلة في كتابات "هومي بهابها"، و"تيري إجلتون" و"روبرت يانج"...وغير هؤلاء من مبدعي النظريات الثقافية. بل أريد أن أقول شيئا عن معنى إدوارد سعيد في محيطه العربي، وهو الأمر الذي لم أقله سابقا في مقالاتي القديمة أو الحديثة.

لم يكتشف العالم العربي إدوارد سعيد إلا في وقت متأخر جدا بعد أن نقل الأستاذ كمال أبو ديب معلمتيه الفكريتين "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" إلى اللغة العربية، وبعد أن حاول الناقد صبحي حديدي الترويج لبعض أفكار هذا المثقف الفلسطيني عبر مقالات ودراسات باللغة العربية. ورغم ذلك، لم يكون القارئ العربي فكرة واضحة عن رؤية إدوارد سعيد الفكرية لأسباب عدة؛ أولا، لأن القارئ العربي كان دائما خارج سياق السجال النظري والمفاهيمي الذي تبلورت حدوده وملامحه انطلاقا من المتابعات النقدية لفكر إدوارد سعيد في الجامعات الغربية، خاصة في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية؛ وثانيا، لأن الحماس كان يطغى على التأمل، فكان إدوارد سعيد يختزل دائما وبشكل مسبق، وإن عن غير قصد، في دور المناهض للثقافة الغربية، والمنتصر للثقافة العربية والمتعاطف مع الإسلام. وحاول إدوارد سعيد جاهدا عبر مقالات كثيرة وحوارات متنوعة أن يوضح أن دوره، باعتباره مثقفا، كان أكثر تعقيدا مما خاله كثير من المثقفين العرب. كان إدوارد سعيد شغوفا بالفلسفات الغربية والآداب العالمية والفنون الكلاسيكية، وكان يترجم حبه هذا وشغفه بمحاورة تلك النصوص وتلك الفلسفات بأناقة فكرية قل نظيرها. وثالثا، لم يفهم إدوارد سعيد بشكل جدي وواضح في العالم العربي، لأن القراءة الجيدة لأعماله لم تكن لتتم إلا في فضاء رحب من الحرية والإنسانية والتسامح والديمقراطية والتنوع. وإلى أن تتوفر مثل هذه الفضاءات الجميلة، سيبقى إدوارد سعيد، بكل أسف، عصيا على التأويل والفهم في كثير من الجامعات العربية.

إنني لا أعرف عدد الجامعات في العالم العربي التي تحمل مدرجاتها اسم إدوارد سعيد، ولكن قياسا على ما أعرفه، أعتقد أن تلك المدرجات قليلة جدا إن لم تكن منعدمة. ولا أعرف عدد الشوارع والأزقة والدروب التي تحمل اسم هذا المفكر الشامخ، ولكنني كذلك، بحكم خبرتي ببعض الأمكنة، أستطيع أن أجزم أنها قليلة جدا إن لم تكن غير موجودة. لكن غياب إدوارد سعيد عن المكان العربي يعني ببساطة أن هذا المكان يفتقد القيم التي وهب نفسه وعمره وروحه وشعلة فكره للدفاع عنها والانتصار لها. لقد اختار إدوارد سعيد أن يبقى مبعدا ومنفيا وبعيدا عن عالمه العربي لأنه أحبه كما أراده أن يكون–محررا وديمقراطيا وإنسانيا ومتنوعا ومنفتحا وجميلا. ولن يكون لاسم إدوارد سعيد معنى إلا في مكان، كهذا، يمكن فيه حمل السؤال السياسي إلى أقصى الحدود، وتأويل الثقافة وممارستها بحرية وخيال وإبداع وطلاقة وثقة في النفس. فمنذ أن هاجرت أسرته فلسطين سنة 1947، لم يقرر إدوارد سعيد زيارة موطنه الأصلي إلا بعد تعاقب عقود من الاغتراب. لكنه في زيارته الأولى، لسوء حظه، اكتشف أن المكان لا زال ضيقا ومختنقا ومختلفا عما كان يجول في خاطره وحلمه وذاكرته. إنني أتذكر كذلك كيف أجاب إدوارد سعيد عن سؤال هام وجهه إليه الروائي سلمان روشدي في حوار قديم بشأن موضوع الهوية والانتماء والوطن والعلاقة بالمكان. كان دليل إدوارد سعيد على وجود المكان وشرعية الهوية هو الذاكرة. تفاصيل المكان عند إدوارد سعيد تتدفق من الذاكرة أكثر من أي جهة أخرى.

وإن مضت ثلاث سنوات على رحيل إدوارد سعيد، فيبدو أن الفراغ مريع ومستمر في مكان ما من وجودنا العربي الراهن. لقد فقد المكان الذي كان إدوارد سعيد مبعدا عنه بالقوة ومصادرا فيه بالفعل بعض معانيه. المفارقة التاريخية هي أن وجود إدوارد سعيد كان ضابطا لمعنى المكان في أعماق الذاكرة وعبر تعقيدات الجغرافية والنزاع والتطورات السياسية. كان إدوارد سعيد في حد ذاته دليلا قويا على وجود مكان اسمه فلسطين يبعد عنه ويقرب منه في آن. لا أستطيع أن أفكر الآن فيما كان إدوارد سعيد سيكتبه أو يقوله عقب وفاة ياسر عرفات وبعد الفوز الكاسح لحماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة أو عند سماعه لتصريحات إسماعيل هنية أو بعد دخول أرييل شارون في غيبوبة طويلة، وبعد فوز حزب كاديما بالانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وبعد استمرار العنف والاضطراب في العراق. بقي لنا فقط أن نستفسر ونتمنى: "من يخلف إدوارد سعيد؟"