بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

159496_2

ابتلي العالم العربي في السنين الخمس الأخيرة بآفة الإرهاب بالقدر نفسه الذي ابتليت به الأمم الأخرى في أوربا والشرق الأقصى وأمريكا. ويتخذ الإرهاب مظاهر شتى في تطبيقاته ووقائعه، إلا أن الإرهاب، كيفما كان نوعه أو شكله، فرديا أو جماعيا، معقدا أو بدائيا، يظل، باستمرار ودون استثناء، تمرينا عنيفا وإجراميا ضد الإنسان وضد منظومة القيم الأخلاقية المتعارف عليها كونيا. وما زال العالم العربي إلى اليوم يعاني من الجرائم الإرهابية التي تحصد أرواح الأبرياء بالعشرات عبثا وجهلا وظلما بذرائع لا يمكن أن تكون إلا زائفة وزائغة وكاذبة ومتطرفة ومارقة. وقد تتخذ التمرينات الإرهابية لبوسا سياسيا أو إيديولوجيا أو عقديا، لكن الإرهاب في جوهره لا يستند إلى أي أساس فكري أو فلسفي أو عقدي وإنما إلى سلوك شاذ ومنحرف يرمي إلى إشاعة الهلع والفوضى في المجتمع والتلذذ بمآسي الناس ومصائبهم وإلحاق الدمار والخراب بالممتلكات والمنشآت والمرافق الخاصة والعامة.

والإرهاب، كما أعرفه، ليس خطابا قابلا للتأويل أو فلسفة يمكن اختبار مقولاتها وإمعان النظر فيها، بل هو ببساطة سلوك إجرامي ينبغي إدانته ومحاصرته وفضحه على مستويات مجتمعية عدة وعبر أنماط خطابية مختلفة. وأسوأ ما قد يقع عقب أي حادث إرهابي، سواء في الدار البيضاء أو الرياض، أو عمان، أو شرم الشيخ، أو بغداد، أو بيروت...، أن يسترسل الناس في أحاديثهم بشأن الأسباب والمسببات والظروف والملابسات المحيطة بمثل هذه الأعمال الإجرامية، فيوجدون الذرائع من غير قصد للمجرمين، ويحولون أفعالهم العنيفة والسيئة إلى مناسبات غير مناسبة لتأويل العنف والجريمة والبشاعة دون مراعاة لشعور من لفحتهم نيران الإرهاب الخبيثة. إن الإرهاب جريمة ثابتة شرعا وقانونا، وأما بيانات الإرهابيين وخطبهم وتسجيلاتهم التي غالبا ما ترافق الأعمال الإرهابية عقب حدوثها، فتتسرع بعض وسائط الإعلام، بكل أسف، في تلقفها وبثها وترويجها مرات متكررة، فهي أساليب ماكرة للتدليس والتضليل والغاية منها استقطاب المتعاطفين وإخفاء الدماء والأشلاء والخراب والهمجية ببلاغة مجترة ومتآكلة أو بمطالب سياسية معروفة ومتداولة بين عامة الناس.

لا يجوز أن نختلف في الرأي حول من يهاجمون الفنادق والمطاعم والمنشآت الاقتصادية والحكومية، فيقتلون الأبرياء ويعيثون في الأرض فسادا؛ بل علينا جميعا، مثقفين وسياسيين ورجال دين ومواطنين، أن نستنكر الإرهاب بجميع أشكاله وصيغه وذرائعه، فندين المجرمين في وضح النهار من غير تستر أو تورية ونكشف للناس أن الإرهاب ليس جهادا ولا يمكن أن يكون دفاعا عن المظلومين أو انتصارا لقضايا مشروعة، بل هو استغلال قسري للدين وتشويه له وخروج عن الملة وزيغ وتطرف، وأنه عمل منكر لا تقره النظم الأخلاقية والشرائع السماوية. وإن كانت البلاد العربية من المحيط إلى الخليج هي الضحية الأبرز للإرهاب في السنين الأخيرة، إلا أنه من العجيب أن تكون هذه الظاهرة المشينة غير مثيرة للقلق وردود الفعل لدى المثقفين العرب. يغمر العالم العربي صمت مخيف ومريب يكشف تنصل أغلب المثقفين العرب من واجب مهاجمة الإرهابيين ومواجهتهم علنا وإدانة أعمالهم الزائغة والمنحرفة. إنه صمت لا يخدم الأمان بل يوفر مساحة فسيحة للإرهابيين ليتمادوا في جرائمهم ومناوراتهم الذميمة، فيستقطبون مزيدا من الشباب العربي المحبط والمتشائم ليحولوهم في ساعة من غفلتنا إلى خلايا نائمة وقنابل بشرية قابلة للانفجار.

لإدانة الإرهاب يتوجب بداية الإقرار أن العرب والمسلمين أصبحوا اليوم ناشطين أكثر من غيرهم في ممارسة الإرهاب. وإن لم يكن الإرهاب بالضرورة صناعة عربية وإسلامية، إلا أن الشباب العربي والشباب المسلم المتورط في الهجمات الإرهابية المتكررة التي أصابت بلدانا كثيرة وعواصم متعددة في السنين الأخيرة قد أضفت على هذه الآفة مظهرا عربيا وإسلاميا، ومنحت جهات كثيرة فرصا متلاحقة لإبداء آراء متشددة ومنحازة واختزالية حول الإسلام والمسلمين والعرب. لقد ألحقت الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن ضررا فادحا بالحضارة الإسلامية المتنوعة والمتمدنة والثقافة العربية الغنية والعريقة؛ وهو ضرر لا يمكن معالجته وتجاوزه إلا بعد عقود طويلة من التفكير والتنوير والإبداع والابتكار، وبعد ترسيخ تقاليد ثابتة من التسامح والانفتاح في عمق المجتمعات العربية والإسلامية. غير أن هذا الحل يبدو مستحيلا في ظل تمادي المجتمعات العربية والإسلامية في مستواها الشعبي في إظهار التعاطف مع المتشددين والمغالين في الدين ومع إصرار الكثيرين على عدم إخفاء تعاطفهم مع أسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي. إنني أعتقد جازما أن ما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن يقارن من حيث فداحته وسلبياته وضرره التاريخي إلا بما اقترفته النازية في ألمانيا من جرائم ضد اليهود. نعم، لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر أمرا بسيطا ولن تكون أبدا كذلك في أعين العالم. غير أننا في العالم العربي والعالم الإسلامي لم نبادر، عقب هذه الأحداث المزلزلة، إلى إعمال الفكر والعقل لنبدع لهويتنا مخرجا من مأزق الإرهاب المرعب.

وفي الوقت الذي التزم فيه كثير من المثقفين العرب والمسلمين الصمت والحياد واللامبالاة، احتدت وطأة الإرهاب على الحواضر العربية، في الرياض والدار البيضاء وعمان وبغداد وبيروت. وقد كانت مشاهد التفجيرات الانتحارية في المدن العربية صادمة ومرعبة وباعثة على الغثيان ومثيرة لمزيد من القلق بشأن مستقبل المجتمعات العربية. وازدادت الممارسات الإرهابية في الدول العربية تعقيدا وهمجية وخاصة في العراق حيث أصبحت تمرينات الخطف والذبح والاغتيالات والتفجيرات الانتحارية والقتل الجماعي تأخذ منحى نمطيا وأسلوبا شبه اعتيادي في خضم الصراعات المتفاقمة والتوتر المضطرد. ولا يمكن استثناء جرائم التفجيرات والاغتيالات التي طالت عددا من الشخصيات السياسية والإعلامية اللبنانية الوازنة في السنة الأخيرة من دائرة الإرهاب الممارس حاليا داخل جغرافية العالم العربي. إن جرائم الاغتيال التي ذهب ضحيتها الرئيس رفيق الحريري والناشط السياسي سمير قصير والنائب والإعلامي جبران تويني، ومحاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق لا يمكن اعتبارها عمليات غير إرهابية. إن مظاهر العنف السياسي والإيديولوجي والطائفي في العراق والتشنجات الحزبية والسياسية في لبنان أضفت على الممارسات الإرهابية في أبعادها العربية مظاهر جديدة، لكن كل تلك الحيثيات لا تخفي حقيقة تلك الممارسات باعتبارها إرهابا صارخا.