د.خالد أقلعي

    بترجمته إلى الفرنسية عام 1963 ،أسهم كتاب " أبحاث في اللّسانيات العامّة" لرومان جاكبسن

Roman Jakobson  في التّعريف بأبحاث الشّكلانيين الرّوس الذين حاولوا أن يطبّقوا مناهج التّحليل البنيوي المستمدّة من اللّسانيات في الحقل الأدبي.

  بالنّظر إلى أعمال اللّساني السويسري فردينان دي سوسورDe Saussure الذي يعتمد تحليل اللغة من حيث هي نظام من العلامات يتحدّد كلّ منها سلبا عن طريق معارضته بالآخر،نجد أن جاكبسن يميّز:

« بين نمطين جوهريين من التنظيم في السلوك الشفهي :الاختيار و التوزيع».إنهما يؤسّسان،بشكل خاص،المحورين الصرفي و النحوي كما يعرضه المثال الذي سوف نورده في هذا المقام .استنادا إلى هذا النموذج، وبتفاعل ضدّ كلّ المقاربات التاريخية، الجمالية أو الانطباعية للأدب،تدرس اللسانيات البنيوية الإبداع باعتباره بنية شفهية مستقلّة ،نسبيّا، حيث تستمدّ مختلف العناصر دلالتها.

  و الحق أنّ "الأدبيّة" هي غاية هذا التّحليل الشّكلي للنصّ:«أي ما يجعل من إبداع معطى إبداعا أدبيّا».و المقال الذي اخترناه لجاكبسن في هذا المقام يقترح نظرة شمولية إلى العلاقات الكامنة ما بين الحقلين الشعري  و اللّسني.مثلما أنّه يذكّرنا بوظائف اللّغة الستّة :المرسل (الوظيفة التعبيرية)،المرسل إليه(وظيفة التلقي)،الرسالة (الوظيفة الشعرية)،السياق (الوظيفة المرجعية)،الرمز(الوظيفة ما فوق لسنية) الاتصال(وظيفة تماس).وبهذا يمكن للوظيفة الشعريّة للّغة أن تحدّد،إذن، بطريقة لسنية صرفة،بمعزل عن أيّة أحكام قيمة موضوعية.

                                         الوظيفة الشعرية للّغة

« الحركة الموضوع على الرّسالة لحسابها الخاص ،هي ما يسم الوظيفة الشعرية للّغة».هذه الأخيرة تطفو ،إذن، من حقل الشّعر الدّقيق.،كما يوضّحه تحليل الملفوظات الثّلاث المنتقاة من قبل جاكبسن .

عندما تهيمن الوظيفة الشعرية،يتدخل مبدأ الانتخاب ،ليس في اختيار كل كلمة وحسب،وإنما في تتابعها داخل المشهد اللفظي،الذي يجد نفسه خاضعا لإحكام أكثر قسرية.ففي ملفوظ «ألفريد المرعبL’affreux Alfred » مثلا  ، يبدو موقع لفظة المرعب قبل الاسم الخالص ألفريد مبرّرا على المستوى النّحوي (لفظة Affreux) في منزلة صفة أونعت ،إنها مناسبة سيميائيّا لاسم شخص، و على المستوى الصّرفي تبتدئ لفظتي ( Affreux et alfred )بسلسلتين من الفونيمات المتجاورة :(afr) و (alfr) ما ينشئ بينهما علاقة تكافئ :Alfred =Afreux   .

  الهدف من الرسالة ،في حدّ ذاتها ،هي تلك الحركة الموضوعة عليها لحسابها الخاص ،وهذا ما يميّز الوظيفة الشعريّة للّغة.هذه الوظيفة لا يمكن أن تدرس ،بشكل نافع ،إذا أغفلنا الإشكاليات العامة للغة، لأنّ تحليلا دقيقا للّغة يستوجب أن نأخذ بعين الاعتبار الوظيفة الشعريّة.كلّ محاولة لاختزال الوظيفة الشعريّة في الشّعر،أو متاخمة الشعر بالوظيفة الشعرية،لن تنتهي إلا إلى تبسيط مفرط و خادع.ليست الوظيفة الشعرية وظيفة فنّ اللغة الوحيدة،ليست إلاّ الوظيفة المهيمنة،المحدّدة،غير أنها في الأنشطة اللّفظية الأخرى لا تلعب إلا دورمعينا،ثانويّا.هذه الوظيفة التي تجعل الجانب المحسوس للعلامات أمرا طبيعيّا، تعمّق بواسطة نفس الدّينامية الجوهريّة علامات و أشياء. أيضا ،ونحن بخصوص الوظيفة الشعرية،لا يمكن للّسانيات أن تقتصر على الحقل الشعريّ.

«لماذا تقول دائما Jeanne et Marguerite   ،ولا نقول Marguerite et Jeanne !هل تفضّل Jeanne على أختها التّوأم ؟»«على الإطلاق،ولكن نبرتها حسنة هكذا»عند تتابع لفظتين معطوفتين ،وبانعدام

أيّ مشكل تراتب ،يرى المُعبّر في الدّلالة المعطاة  إلى الاسم الأكثر قصرا، وبدون أن يشرح هذا،أفضل شكل ممكن للرّسالة.

  فتاة صغيرة لا تزال تتحدّث عن «ألفريد المرعب» . «لماذا المرعب ؟»«لأنني أكرهه»«ولكن،لم لا الرّهيب،المفزع،غير المحتمل،المقزّز ؟» «لا أعرف لم ،ولكن المرعب تناسبه».إنّها تطبّق ،بدون أدنى شكّ،المنهج الشعريّ (Paronomase ). [...]

  وفق أيّ معيار لسانيّ نتعرّف الوظيفة الشعريّة؟بشكل خاص،ما هو العنصر الذي يبدو حضوره إلزاميّ داخل كلّ إبداع شعريّ ؟للإجابة على هذا السّؤال ،ينبغي أن نتذّكر الشّكلين الجوهريين للتّرتيب المستعمل في السّلوك الشّفوي:الاختيار و التّوزيع.

ليكن «طفل enfant »تيمة رسالة:يختار المرسل بين سلسلة من الأسماء الموجودة الأكثر تشابها أو الأقل، مثل( enfant,gosse,mioche,gamin, ) ،ثم بعد ذلك ،ومن أجل التّعليق على هذه التّيمة،يختار أحد الأفعال الواضحة سيميائيا- dort,sommeille,repose,somnole. إن اللفظتين المختارتين تتألّفان في سلسلة القول. ينتج الاختيار على قاعدة التكافئ،من التّشابه وعدم التّشابه ،من التّرادف و التّضاد ،بينما يستند كلّ من التّأليف و بناء المشاهد على المجاورة.إنّ الوظيفة الشعريّة تكشف مبدأ تكافئ محور الاختيار على محور التوزيع.التّكافؤ يصدر عند مرتبة  الإنشاء التّكويني للمشهد.»


-  Roman Jakobson,Linguistique et Poétique,1960,in Essais de linguistique générale,©éd.de Minuit,1963