بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

تكاثرت في السنوات القليلة الماضية بعض الكتابات التي حاولت إعادة تقديم تاريخ المغرب على عهد الحسن الثاني، رحمه الله، باعتباره تاريخا "دمويا" و"أسودا" و"قمعيا" وباعتبار سنواته مصنوعة من "الجمر والرصاص" بدل الأيام والشهور والأعوام ، إلى غيرها من التوصيفات التي لا تنتهي. وإن كان من حقنا، أبناء هذا البلد، أن نعيد قراءة تاريخنا بالشكل الذي نراه مناسبا ونكشف المستور فيه وننزع بؤر الصمت منه دون خجل أو خوف أو قمع؛ إلا أنه من الواجب ومن العدل حتما أن نقر بما ميز هذا التاريخ الموسوم بالكثير من النقط المضيئة؛ ينبغي أن نعتز بتاريخنا جهرا وسرا وبجميع اللغات وفي كل المناسبات وفي كل بلاد العالم. سيبقى هذا التاريخ، على شاكلته وفي جوهره، ملكا لنا ومرتبطا بذاكرتنا الجماعية بل جزءا من هويتنا التي لا يمكن أن نتنكر لها وننفصل عنها تحت أي ضغط مهما كان.

صحيح أن هناك من أبناء هذا البلد الطيبين من أصابهم الظلم بغير وجه حق بسبب اتهامات زائفة أو ملفقة وطائشة؛ غير أن مآسي هؤلاء، والتي لا ينبغي نسيانها أو نكرانها، لا يمكن كذلك أن تحجب إشراقات مرحلة بأكملها. قبل أن نمعن في النقد والمبالغة في تقديم تاريخنا القريب على أنه "أسود" و"سلبي"، ينبغي أن نتذكر أن من أروع ما في هذا التاريخ القريب ارتباطه بملك بحجم وثقافة وعبقرية وشجاعة وحكمة الحسن الثاني. وكان من فضل هذا الملك أن سخر كل قوته لحماية تاريخ المغرب العريق ضد عواصف الانقلابيين من العسكر. يلزم أن نتذكر أنه لولا الحسن الثاني، رحمه الله، لفقد المغرب رمزيته وسيادته وبعضا من خصوصياته الحضارية والتاريخية، خاصة أن مرحلة الحسن الثاني كانت من أصعب مراحل القرن العشرين وأدقها من حيث اضطراباتها السياسية والإيديلوجية. كانت الأنظمة الشمولية والعسكرية في هذا الوقت تكتسح بلدان العالم في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية باسم محاربة الرأسمالية أو الانتصار لإيديلوجيا الحزب الوحيد. وقد اكتشف العالم بعد حين، أن التيار العسكري الانقلابي لا يمكن أن يكون ديمقراطيا ومتنورا ومنفتحا، بل أكثر قمعا واضطهادا وشراسة.

لقد كنت مؤخرا في زيارة علمية لدولة السويد، ومن الصدف اللطيفة أن صادفت في أحد شوارع مدينة "استكهولم" الرئيسية موكب ملك السويد بمناسبة احتفاله بعامه الستين. وما شد انتباهي حينئذ اصطفاف الناس بكل أعمارهم على جانبي الشارع، وانتظارهم لأكثر من نصف ساعة مرور الموكب الملكي. وقد كانت السعادة بادية على وجوههم وهم يلوحون بأيديهم للملك عند مروره في عربته. وقد كانت بجانبي سيدة مسنة فسألتها إن كان شعب السويد يحب ملكه. فأجابت دون تردد: "جدا، جدا!" وسألتني هي أيضا عن نظام الحكم في المغرب. فأجبت: "إنه النظام الملكي الذي يرعاه اليوم ملك محبوب وأصغر سنا من ملك السويد!"