بقلم د. يحيى بن الوليد في فترة زمنية متقاربة ساهمت في ثلاث أنشطة ثقافية في ثلاث مدن مغربية متباعدة ومختلفة جغرافيا وثقافيا وإنسانيا. وميزة مثل هذه الأنشطة واللقاءات والمهرجانات أنها تدني المهتم من إشكالات الثقافة وتلقيها ومدى "انخراطها" في ما يمكن نعته بالنسيج المجتمعي الذي لا يمكنه بأية حال من الأحوال أن يوجد في معزل عن الثقافة التي هي عنوان على الإبداع والجسد والمتخيل... بل والإنسان ذاته في دروب الوجود والحياة. ودون أن نتغافل أيضا عن أن مثل هذه اللقاءات جديرة بأن تعكس تصورا مغايرا للثقافة التي تسود في المدن التي نقيم فيها وعلى افتراض أن جميع مدننا – وخاصة من ناحية المسؤولين عليها – تعكس أهمية الاعتقاد في جدوى "ترهين" الثقافة/ الثقافات. ويمكن أن نستدل، وبشكل أوضح، على هذه الفكرة بمدينة أصيلة التي أقيم بها. هذه المدينة التي تنظم مهرجانات صيفية تستدعى لها جحافل من المثقفين والمفكرين والإعلاميين على مدار شهر غشت، ولتعود المدينة بعد ذلك إلى صورتها الاجتماعية القاسية وعلى إيقاع، حتى نبقى في نطاق الثقافة، غياب مكتبة عامة يأوي إليها أبناء الشعب. لنتصور هذه المعضلة أو المفارقة المدوية؟ إن ما سلف لم يكن يفارق ما يدخل في نطاق العلاقة المفترضة التي تصل المدينة بالثقافة بعيدا عن دائرة الاستثمار والتجارة والموضة، هذا بالإضافة إلى أن مثل هذه العلاقات جديرة بأن تحمي مدننا من "التصحر" الذي يطال، والأمر بالفعل، "مخيالنا الاجتماعي" إذا جاز هذا المفهوم المبلور في حقل الدراسات الأنثروبولوجية. فالمدينة لا يمكنها أن تكون مجرد إسمنت وقصور فقط، وإنما هي ــ وفي المقام الأول ــ ذاكرة وأمكنة ورؤى وتطلعات أيضا. ثمة متنفس لها يقع في هذا التماس مع الثقافة التي توجد أمامنا وخلفنا كما قال كلود ليفي شتراوس. وحتى أعود إلى نص المقدمة كانت المناسبة الأولى هي دعوة وجهها لي صديق سابق، منذ أعوام الدراسة الجامعية في كلية الآداب بمرتيل بتطوان، كي أباشر مسرحية له وبالتالي أبدي وجهة نظري حولها. ولم أستغرب أن يستهوي المسرح هذا الطالب الذي كان متخصصا في التاريخ، وقبل ذلك كان مناضلا في صفوف الحركة الطلابية في تلك الفترة التي كانت تشهد فعلا على آخر أستار "ماكينات الإيديولوجيا". قلت بيني وبين نفسي لا بد من أن أرحل إلى مدينة العرائش القريبة التي تعرض فيها المسرحية حتى وإن كنت لا أميل أكثر إلى المسرح. وكانت حجتي أن أكتفي بالإنصات لـ"النص" فقط، ومدى تواشج هذا الأخير مع "الثقافة" التي استهلت بها الحديث. هذا بالإضافة إلى أن مثل هذا الحضور – كما قلت – قد يدفع بعض اللبس من شكاوى الكثيرين، وخصوصا من البسطاء الصادقين، من "المثقفين" الذين لا يتحركون إلا بدافع من "التعويض" و"الفنادق المصنفة". وفعلا وجدت سينما "ابي نيدا" الشهيرة بالعرائش شبه مملوءة، مما يدل على "تعطش" الجمهور للفن والإبداع. هذا الجمهور الذي لم يخل من شغب، غير أن شغبه لم يبلغ حد إيقاف المسرحية كما يحدث في المدن الهامشية غير ذات الصلة بدور المسارح العتيقة. لقد كان حضور الصديق مراد محوريا في المسرحية، موازاة مع حضور العديد من زملائه؛ مثلما كان لحضور الموسيقى حيزا أكبر في دلالة على معهد الموسيقى بهذه المدينة العريقة. إلا أن ما لفت انتباهي أكثر ليس حضور الشعر، وإنما انشداد المسرحية ومن أولها إلى آخرها إلى الشعر. فما الذي لا يزال يمنع العديد من مسرحيينا من التفكير في توظيف اللغة العامية التي لا تخلو بدورها من "فصحى" أو على الأقل "اللغة الثالثة" تفاديا لـ"التطرف اللهجي". يبدو أنه ثمة "عقدة" على هذا المستوى، وهذه الفكرة سبق لي أن قلتها لزملائي في فرقة "اللقاء المسرحي" بأصيلة الذين يلخصون المسرح في الشعر أو "أبجدية الاحتراق" كما ينعتون العملية. أما النشاط الثاني فكان هذه المرة بمدينة فاس ذات الوقع في الثقافة المغربية، وكانت المناسبة الدورة الأكاديمية التي نظمها بيت الشعر بالمغرب استحضارا لروح الشاعر المغربي الراحل محمد الطوبي. وأهمية اللقاء، في نظري، كانت نابعة من إلزام كل متدخل بالحديث عن شاعر محدد، وهي خطوة لا تخلو من كبير أهمية بالنظر إلى الحديث عن الشعر بشكل عام وبطريقة تنطبق على أكثر من شاعر دون أن تنطبق على شاعر بعينه. ومن ناحية صلة الثقافة بالمدينة فالملاحظ أن الحضور كان أغلبه من الطلبة الباحثين في السلك الثالث، وما يدل على ذلك الطريقة اللافتة التي كان هؤلاء يدونون بها الأفكار في دلالة على محاولة تحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات حول هذا الشاعر أو ذاك. نعم حضرت الوجوه المألوفة بفاس عربون محبة، وغابت أخرى. وبين الحضور، والحضور الطلابي الغالب، والغياب ما يقيس حضور الثقافة ذاتها؟ اللقاء الثالث والأخير كان لمناسبة تكريم الشاعر حسن نجمي بمدينة مراكش البعيدة. ونشاط من هذا الحجم لا يبدو غريبا أن يحضره كتاب ومثقفون كثيرون بالنظر إلى صداقات المحتفى به. وكان في مقدم الحاضرين إدريس الخوري أو "بَ إدريس" كما دأب الأصدقاء على نعته. هذا على الرغم من إضراب بعض وسائل الإعلام عن إعلان النشاط، وهذا موضوع آخر قد يقودنا إلى "العفن الإعلامي الحزبي". وقد ساهمت في النشاط أطراف عديدة ذات صلة بالفن التشكيلي والبحث الفلسفي، ودون أن نتغافل عن الفنان التشكيلي أحمد بن إسماعيل الذي كان له الفضل الأكبر في إنجاح هذا النشاط. وقد كان النشاط ناجحا على أكثر من مستوى. ولا أظن أن يحضر جمهوره في نشاط آخر؟ يبدو واضحا من خلال ما سلف أن الحديث عن هذه الأنشطة لم يكن يدخل في نطاق أي نوع من الحديث عن الذات حتى وإن كانت هذه الذات حاضرة إضافة إلى أنه لا يمكن إقصاؤها. كانت الغاية هي الإشارة الموجزة إلى أن حضور الثقافة لا زال محكوما بدوافع تقع خارج الثقافة ذاتها. فلقاءاتنا لا تزال عاجزة عن استقطاب الأجيال الجديدة الغارقة في الدوائر السالبة لـ"الانفجار الإعلامي" و"التصحر الخيالي". ذلك هو دور ثقافتنا على مستوى "المقاومة" بمعناها المبلور في مصنفات "النقد الثقافي".