بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

لست عراقيا، ولا أدعي أني أعرف العراق، أو أعرف أنهاره وسماواته وروابيه وعشائره ومدنه وأهاليه وتاريخه وحاضره ومكتباته ونواديه ومدارسه وأسواقه أحسن من العراقيين. أهل مكة أدرى بشعابها. ولكنني أعرف العراق جيدا، أعرفه عبر مسام أحاسيسي، وعبر رعشات وجداني، وعبر أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والحافلات. لم يعد العراق موضوعا خافيا، بل هو مجموع أحاديث الناس في الشرق والغرب – هنا وهناك. أصبح العراق عنوانا عريضا لكل الكلام والأحلام والهواجس والمعاني وكل المناسبات وكل الفصول. لم يعد مستحيلا أن نتحدث عن العراق في الأعياد والأعراس والمؤتمرات والجنائز والأسفار. أصبح العراق جزءا من لغتنا اليومية، ولا تستقيم لغتنا الآن دون ذكر العراق. ولم يعد مستحيلا أن نذكر العراق مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر في نفس اللحظة وبنفس اللغة وفي نفس اليوم ونفس المكان.

واقتران العراق باللغة ليس أمرا عجيبا أو مستحدثا. يحضر العراق في اللغة عبر مدارس النحاة، وعبر الأمكنة ومجالس الأمراء ودواوينهم، وعبر قوافي الشعراء العظام، وعبر قصص الحب والأنبياء، وعبر الأحداث الجسام والقرون الغابرة. فإن كانت اللغة في حاجة إلى جغرافيا، فالعراق هو الجغرافيا، وإن كانت اللغة في حاجة إلى ذاكرة، فالعراق هو الذاكرة. نتذكر العراق كل مرة نجرؤ فيها على الكلام وعلى التفكير في اللغة والتأمل فيها. نستكشف حينئذ مدى حضور العراق في اللغة ومدى توغل اللغة في العراق. أضحت لغتنا تتقلب في كل حين بين مواجع العراقيين، وتتلون بألوان أحزانهم، وآهاتهم المكتومة. أصبحت لغتنا حزينة جدا؛ أصبحت ظلا منكسرا على الأرض لأسوار مخروطة بثقوب النار والموت والرعب. لم تعد لغتنا تكفينا ولم تعد تقوى على احتواء أحلام أطفال البصرة والكوفة وبغداد وهم يبحثون بين شظايا القذائف عما يشبه لعب الأطفال. لغتنا ابتعدت عنا كما ابتعد العراق عن أهل الرافدين. أصبح العراق بابل جديدة، تتشتت فيها الأصوات وتتيه بين صراخ النسوة وحسرات الميتمين وطقطقات المدافع والرشاشات. بابل الجديدة أربكت لغتنا ثانية وحملتها أكثر مما تقوى على حمله. كان فيما مضى حزننا بسيطا، نعرفه كيف يأتي وأين ينتهي؛ نحكيه قصصا وروايات وقصائد، نتحلق حوله ونحوله إلى دفء في ليالي الخريف؛ كان حزننا لنا نملكه ونصنعه بأيدينا، يؤلمنا ونأنس به ويجمعنا في حلقة العشيرة، وكان حزننا يشبه اللغة التي نحكيه بها. لم يكن أبدا غريبا عنا. حزننا في العراق فجيعة موجعة، تفرقنا وتشتتنا وتمزقنا وتجعلنا ننكر بعضنا، وتعكر صفو ليالينا. فمن قال إن الأحزان واحدة ومتشابهة؟

كم سيأخذ الزمن منا حتى نعيد اللغة إلى موطنها، ونمحو الأحزان الغريبة عنا وعنها، فيستعيد العراق وجهه الحقيقي ويتطلع إليه في مرايا المتنبي والحلاج والجواهري والسياب والبياتي... ومرايا دجلة والفرات؟ سيتذكر العراق وجهه ثانية ولو بعد حين، وسينفض عنه غبار المدافع وأتربة الموت والانتحار؛ سيتفحص وجهه ذات يوم في عتمة الليل وقبل فوات الأوان وقبل أن تحرق كل حدائق النخيل. سيذكر العراق أن له لغة تمتد بين السهول وبين الصحارى وبين البحار وأن له مواعيد كثيرة – له أن يذكر صفوف التلاميذ على أبواب المدارس، وله أن يذكر مواسم الحصاد المؤجلة، وله أن يذكر أن رسائل الحب محتاجة إلى طوابع البريد، وله أن يذكر أن لياليه لها أقمار قزحية يحجبها دخان البارود والدمار. للعراق مواعيد مؤجلة ومسجلة في أعين الحوامل والرضع وفي شبابيك المسارح والمطارات. لست عراقيا، ولكنني أعرف أن للعراق مواعيد.