كان رولان بارث ، خلال الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي،فارس النقد البنيوي الجديد ، في مواجهة  النقد الجامعي للمرحلة(حول راسين1963،النقد و الحقيق1966).وجعلت من إبداعاته، المستوحاة من الماركسية ،واللّسانيات،و الإنثروبولوجيا،و التّحليل النفسي ،إبداعات سيميوطيقي*، موضوعها اللّغة (درجة الصفر في الكتابة1953واستعمالاتها الاجتماعية(ميثولوجيا 1957،نظام الموضة1967، إمبراطورية الإشارات1970،)،والقصّ( مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص1966، ثم دراسة أخرى مخصصة لتحليل قصة قصيرة لبلزاك 1970)،والتصوير الفوتوغرافي(الغرفة المضيئة1980 )

  والحقّ أنّه بالنّسبة إلى بارث فإن كلّ شيء هو لغة،النص و القارئ ؛بل إنه يحدّد،أكثر من النقد ذاته،علم خطاب يروم تحليل البنى و الأشكال الخاصة بالإبداع الأدبي ،ويجعل القارئ«منتج نصّ»:

في ظلّ«الحركية البنيوية[...]نعيد تركيب الموضوع بغرض إبراز وظائف،وهذا هو السبيل الذي يصنع الإبداع ،إذا أمكننا القول.».

  بواسطة تأمّلات حول المسرح و الأدب ،وبتحليل إبداعات كتاب مختلفين مثل فولتير و ألان روب جري ،تعكس "تجارب نقدية" سيرورة فكر رولان بارث خلال عشر سنوات ،من 1954 إلى 1964 ، استنادا إلى سلسلة من المقالات و الحوارات عرّفها بارت في مقدمة كتابه لعام 1971 بأنها أشبه ما تكون «بصيحات عمل متطوّر».إنه يموضع تحليلاته في حقبة « ازدهار السيميولوجيا»، موضّحا ،رغم ذلك،بأن هذه النصوص "متعدّدة العلامات" ولا ينبغي أن تختزل في مجرّد إيضاح لمنهج نقدي مؤقت تاريخيّا.

                        «الأدب،غرض القول الطّفيلي»

الطبيعة الكلامية للأدب تظهر بوضوح في هذه الأمثلة :إنها تتواصل باستعمال مادة،الكلام،التي تضطلع أصلا بوظيفة التواصل.وبما أنها محددة باعتبارها نظاما ثانيا للكلام،طفيليا،فهي لا يمكن أن تحال إلاّ إلى الكلام،وليس إلى الواقع.

  بهذا المثال يبيّن بارث حجم رحابة الأدب مقارنة بباقي الفنون:الأدب لا يقلد الواقع، على عكس الرسم التشخيصي.ولكن،بشكل مقلوب،بينما تبدو اللوحة منذ الوهلة الأولى مثل فن و خدعة (يتعلق الأمر بالرسم على الكتان)،لا يتميّز الأدب ،دائما،عن الاستعمال اليومي للكلام :«إذا عزلتم جملة حوار روائيّ، لاشيء تقريبا يمكن أن يميزها عن حوار عادي»ولهذا السبب جرّد بعض الكتاب الرواية من أية قيمة فنية:(انظر في هذا الصّدد "Les réflexions de Valéry,Breton et Gracq,Texte53))

«ثمة وجود لقانون أدبيّ خاص يرتبط بهذا،وهو أن الأدب مصنوع من الكلام، أي من مادة دالة قبلا في اللحظة التي يهيمن فيها الأدب:ينبغي على الأدب أن ينزلق  في نظام لا ينتمي إليه ،ولكنه يعمل ،على الرغم من ذلك، إلى بلوغ  نفس النهايات،معرفة:التواصل.يستتبع هذا أن الخلافات الكامنة ما بين الكلام و الأدب ،تشكّل ،على نحو من الأنحاء،كائن الأدب ذاته:بنيويّا،ليس الأدب إلاّ غرض اللغة الطفيليّ ؛حينما تقرأ رواية، لا تستهلك في البداية الدالّ «رواية»؛فكرة الأدب ( أو موضوعات أخرى تتعلق بها)ليس الرسالة ما تستقبل؛بل دالاّ إضافيا آخر ،هامشيّا؛ تحسّ به يطفو بإبهام في منطقة خارج الإدراك الواضح؛ ما تستهلكه ،في الحقيقة، الوحدات، العلاقات، بإيجاز، الكلماتُ و نحوُ النظام الأول(الذي هو اللغة الفرنسية)؛ومع ذلك،فإن كائن هذا الخطاب الذي تقرأه(المعنى«الواقعي»)،هو الأدب نفسه.،وليس الحدوثة المرسلة إليك؛وعموما،يتعلق الأمر هنا،بنظام طفيليّ رئيس،لأنه يحوز آخر مفهومية المجموع:بتعبير آخر، إنه هو «الواقعي».هذا النمط الماكر من عكس الوظائف يوضح إلتباسات الخطاب الأدبي المعروفة جدا :إنه خطاب نؤمن به من دون أن نثق به،لأن فعل القراءة مؤسس على تناوب لا يتوقف ما بين النظامين:انظر إلى كلماتي،أنا كلام،انظر إلى دلالتي،أنا أدب.

  «الفنون» الأخرى لا تعرف هذه الإلتباسات التكوينية.بالطبع،فإن لوحة تجسيدية ترسل (بواسطة «أسلوبها».مرجعياتها الثقافية)رسائل أخرى كثيرة حتى أن «المشهد» ذاته الذي تمثّله،ابتدأ بفكرة اللّوحة ذاتها؛ولكن«جوهرها»(لكي نتكّلم مثل اللّسنيين)مؤسس بواسطة خطوط،ألوان،علاقات غير دالة في حدّ ذاتها(على عكس الجوهر اللّساني الذي لا جدوى من ورائه غير أن يدلّ )؛إذا عزلت جملة من حوار روائيّ،لا شيء،تقريبا،يمكن أن يميّزها عن حصّة كلام عادي،أي عن الواقع الذي تمتح منه نموذجها الرئيس.؛ولكن،من حسن اختيارك في أكثر اللّوحات واقعية،الأكثر طبيعية من حيث التفاصيل،لن تظفر أبدا إلاّ بمساحة مستوية مطلية،وليس مادة الموضوع المقدم:مسافة جوهرية تظل ما بين النموذج و نسخته؛يستتبع هذا تشابك – مطاردة عجيب؛في الرسم (التجسيدي)،ثمة وجود لتماثل بين عناصر الإشارة (الدّال و المدلول)وتنافر ما بين ماهية الشيء وماهية نسخته؛في الأدب،الأمر معكوس،هناك وجود لتطابق الماهيتين(الأمر لايزال يتعلق بالكلام)، ولكن عدم تشابه ما بين الواقعي و ترجمته الأديية،مادامت العلاقة تنسج هنا،ليس عبر الأشكال المتماثلة،ولكن  عبر شفرة رقمية ،تلك الخاصة بالكلام.هكذا نصل إلى مبدأ  أدبي غير واقعي بشكل فظيع ،الذي لا يمكنه أن«يتذكّر»الواقعيّ إلا عبر مناوبة،يتناوب الكلام مع الواقعي في ظلّ علاقة مؤسساتية،وليس بالبداهة.يستطيع الفن(التصويري) دائما،كيف ما كانت منعطفات الثقافة       و حقوقها،أن يحلم على الطبيعة(وينبغي أن يتحقق هذا،حتى في أشكاله المجردة)؛أما الأدب،فليس له من حلم و من طبيعة مباشرة غير الكلام.»    

Roland Barthes ,Essais Critiques,éd.du Seuil,1964,pp.262-264 *أي باحثا في علم السيميوتيقا أو السيميولوجيا،و تعرف بعلم الإشارات.