بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

للجامعة قيمها مثلما للمجتمع قيمه، غير أن قيم الجامعة أعم وأشمل من قيم المجتمع. وإن كانت هذه القناعة مدعاة للشك أو التعجب عند البعض، فإنها بالنسبة للبعض الآخر حجة لا يسهل الدفع بضدها أو نفيها! ولست مكابرا بهذا القول ومغاليا فيه، أو مفرطا في الانتصار للجامعة ومنتقصا من قدر المجتمع. فالمجتمع أفسح من الجامعة وأعقد منها، وهو، في بداية الأمر ونهايته، موطن الجامعة ومحيطها المادي. والجامعة فضاء مجتمعي مصطنع ومصمم للتأمل في ظواهر المجتمع وتجلياته، وموجه لرصد متغيرات المجتمع وتحولاته وسلوكياته وحركيته. ومن اختصاصات الجامعة الرئيسية، بل من ضمن قيمها المتنوعة، إنتاج معرفة عقلانية ومجتمعية، متعددة الأصوات والأسباب والمشارب والوسائل، تواكب نمو المجتمع وتطوره وتاريخه وتحدياته ومعضلاته وراهنه ومستقبله.

وقد أوجدت الجامعات الحديثة لتحقق غايات المجتمع المثلى ولتبلور ما يمكن نعته "بالعقل المجتمعي الجمعي المتعدد والمتسامح". فالمعرفة الجامعية تتميز بوصفها عقلانية ومجتمعية ونظامية، تنضبط لبنية الجامعة وللأعراف الأكاديمية الدائمة التجدد؛ وتتبدل هذه المعرفة وتتطور بتحول المجتمعات وتطورها. وقد تكون فكرة إنشاء الجامعات من أرقى أفكار البشرية على الإطلاق وأكثرها نبلا ومثالية وإنسانية، وأوضحها أثرا وقوة وجرأة. وإن كان منشأ فكرة الجامعة ضاربا في التاريخ ومتقاسما بين الحضارات والأمم، فإن الجامعة بمعناها الراهن تبقى مؤسسة حديثة العهد، ومرتبطة في نشأتها وبنياتها وغاياتها بالتحولات التاريخية الكبرى التي عجلت بنهضة أوربا منذ أواخر القرن السادس عشر إلى اليوم، بداية بتحرير المعرفة من قيود اللاهوت والكهنوت وبانزلاقها من حقل الميتافيزيقا والربوبيات إلى مجال الإنسان والجغرافيا والسياسة والاقتصاد.

ومنذ البدايات الأولى للنهضة الأوربية حتى نهاية القرن التاسع عشر، كان هاجس الجامعات الأوربية الرئيسي ينحصر في إنتاج معرفة "كونية" و"صنافية" تسع العالم في شموليته وتتطور وتنتشر وفق اتساع هيمنة أوربا على العالم. ولم يكن الآخر في فلك هذه المعرفية إلا تابعا وعرضيا وهامشيا. ولم يكن موقعه في محيط تلك المعرفة يتجاوز حيز موضوع المعرفة الاستعمارية المهيمنة والمنمطة. وتبعا لذلك، فقد كان تصور أوربا للمعرفة "هيجيليا" في فكرته، إطلاقيا في منحاه وافتراضاته، واستعماريا في مسعاه وتفصيلاته. فالقيم التي سادت الجامعات الغربية عندئذ هي قيم الهيمنة والاحتواء والتوسع والتفوق، بدل قيم الحوار والتفاعل والتعدد والتكامل. وقد تطورت الجامعات في أوربا بتطور الإمبراطوريات التي كانت تنتسب لها وتسخر لأجلها. لذلك لا ينبغي فصل تاريخ الجامعة الأوربية عن التاريخ الإمبريالي لأوربا؛ بل يلزم تأكيد ذلك الترابط، واستحضار نشوة التحكم في صناعة المعرفة عند علماء أدركوا أن حدود بلدانهم كانت قابلة للتمدد عبر المحيطات والقارات. لم تكن الجامعات الأوربية أبدا في حياد وتجاه قضايا الاستعمار أو إزاء مشروع بناء الإمبراطوريات؛ بل كانت منخرطة في برامج أوربا التوسعية على مستويات متعددة وبطرائق متلونة. وقد أحدثت الأقسام والمعاهد والكليات ومراكز البحث المتخصصة في شؤون المستعمرات ومقاطعات ما وراء البحار. ذلك أن آليات الاستعمار المعقدة لم يتم تفعيلها عسكريا واقتصاديا فحسب، بل معرفيا وثقافيا كذلك؛ إذ حرصت المعاهد الأوربية والمدارس والكليات على مدى عقود طويلة، بل عبر قرون متوالية، على تحديد المعرفة باعتبارها نمطا حضاريا أوربيا يخص أمم أوربا ويميزها عن غيرها من الأمم والشعوب والثقافات، ويوفر لها الحافز المعنوي لبسط هيمنتها على الشعوب والثقافات والأوطان المغايرة.

لقد كانت قيم الجامعات الغربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إمبريالية واستعلائية وشوفينية؛ غير أن الجامعات الغربية اليوم احتضنت النموذج المعرفي المتعدد لاحتواء المعارف بكل أصنافها لتتمكن من مماثلة الأنسجة الاجتماعية المعقدة التي أفرزتها مخلفات الاستعمار والهجرة؛ فتجاوزت الجامعات الغربية بذلك المثل المحافظة التي أسهم في نشرها كل من "ماثيو أرنولد" و"جون هنري نيومن". لقد انتقلت قيم الجامعات الغربية من حقل الخطاب الاستعماري والقومي والأخلاقي إلى حقل الخطاب ما بعد استعماري، المتعدد والهجين. ومن عواقب هذا التحول أن أصبحت الجامعات الغربية مضطرة إلى إعادة تهيئة بنياتها المؤسساتية والمعرفية باستمرار؛ ذلك أن النموذج المتعدد يقتضي عدم ترسيخ البنيات التقليدية لإنتاج المعرفة. فجامعة اليوم في الغرب لن تشبه جامعة الغد، وهي بذلك في تحول وتطور دائمين؛ ومن قيم الجامعة المعاصرة إنتاج ثقافات مغايرة لما هو سائد أو مترسب داخل البنيات المؤسساتية والمجتمعية. بل أصبحت الجامعات الغربية تفرز قيما جديدة بمراجعاتها المستمرة لممارسات المجتمع القيمية. ومن هذه القيم الجديدة التي أفرزتها الجامعات الجديدة في الغرب ورسختها باعتبارها صيغا للتفكير والإبداع والممارسة نذكر الديمقراطية وحرية التعبير والفردانية والحق في الاختلاف والتعددية والمدنية.

ومما يميز الجامعات الغربية كونها مؤسسات لا تخضع لهيمنة قيمة بعينها عكس ما نلمسه في جامعاتنا في عالمنا العربي. فالجامعات الغربية هي مجال لنقد القيم وتفكيكها، بمعنى احتضانها لقيم المجتمع جميعها دون أن تسمح بسيادة قيمة ما على حساب قيمة أخرى. وتعدد المناهج العلمية والأفكار الفلسفية في الغرب هو تعبير آخر عن مفهوم الجامعة باعتبارها مجالا لنقد القيم وتكريس تعدديتها بدل ترسيخ أحاديتها وسطوتها. ويترتب عن نقد القيم إعادة ترتيب شروط إنتاج المعرفة باسمرار داخل الجامعات وخارجها ومراجعة صيغ تصريف تلك المعارف بالشكل الذي يضمن للمعرفة التداول والتفاعل والحرية والقوة الرمزية. أما جامعاتنا في عالمنا العربي فهي في أغلبها عقيمة وغير مؤهلة؛ ولا تسهم في ترسخ تعدد القيم داخل المجتمع ولا تنتج المعارف والأفكار ولا يسودها الفكر الحر والعقلاني ولا تمثل مراكز قوة داخل مجتمعاتها وتفتقر للبنيات الأساسية والوظيفية وتفتقر إلى التنوع في النسيج البشري؛ وهي بذلك غير قادرة على نقد القيم أو إفراز قيم مدنية متجددة.