بقلم الدكتور جمال الدين بنحيون

drbenhayoun@hotmail.com

لا ريب أن الجامعة المغربية في حاجة دائمة إلى إصلاح عقلاني يؤدي إلى تقوية بنياتها الأساسية ويؤهل طاقاتها البشرية، ويستثمر مؤهلاتها المادية والعقلية؛ كما يمكن الجامعة من تصريف المعلومات والكفايات عبر قنوات تفاعلية تستجيب للتطورات العالمية والإكراهات الاجتماعية والاقتصادية. ومن شأن هذا الإصلاح أن يغني المناهج والمضامين ويحينها، ويجدد وضع الجامعة الاعتباري، ويوطن المؤسسات الجامعية في مجالها الاجتماعي والثقافي، ويؤهل الطلاب وينورهم. ولا شك، أن جامعاتنا انخرطت في مثل هذه المسارات الإصلاحية بدرجات متفاوتة من السرعة وبمؤشرات متباينة. فعجلت أغلبها بتطبيق توصيات اللجان الوطنية والندوات الرسمية، وأنفقت الساعات والأيام في ترجمة بنود القانون الشهير "01.00" وأهداف "الميثاق الوطني للتربية والتكوين" إلى الواقع. إلا أننا وقد قربنا من نهاية الإصلاح بشقيه الهيكلي والتربوي، نجد أن جامعاتنا مازالت في حاجة إلى مراجعة فلسفية لمفهوم الإصلاح أكثر مما كانت مطالبة بتطبيقه باعتباره أشكالا تقويمية مسنونة وجاهزة. فالإصلاح في نظرنا يتجاوز العمل بنظام الوحدات والمراقبة المستمرة؛ وهو أكثر خطورة من سن صيغ جديدة لتغيير رؤساء المؤسسات أو تعيين آخرين في مواقع المسؤولية. إن الإصلاح كما ندعو إليه يقتضي العمل على جعل الجامعة مؤسسة حقيقية لإعمال الفكر ببعديه الوظيفي والفلسفي.

فبالإضافة إلى مكوناتها المادية والبشرية، تبقى الجامعة في أصلها فكرة كونية؛ بمعنى أنها طموح فلسفي ضد الابتذال المادي للواقع؛ وهي بذلك تمثل قيمة رمزية مضافة لأنسنة الواقع ومعالجة تمظهراته المادية والتاريخية. لذلك، ليس عجيبا أن تكون الجامعات المرموقة من صنف "أكسفورد" و"كامبريدج" و"السربون" و"هارفارد" و"يال"...، وغيرها، قابلة للتصريف في أفكار فلسفية عميقة ومرتبطة أوثق ارتباط بالحضارات التي تنتمي إليها تلك الجامعات. وعلى الرغم من طغيان رأس المال وسيادة ثقافة الاستهلاك واجتياح الآلة والحاسب الإلكتروني جميع مناحي الحياة الغربية، ما زالت مثل هذه الجامعات، ببنيانها وأيقوناتها وتاريخها ومضامينها الفكرية، تشكل حصونا حقيقية لتلك المجتمعات، وبالتالي تحميها من الانهيار الحضاري الذي يتهددها. فمثل هذه الصروح العلمية هي بالدرجة الأولى رموز ثقافية ترتبط ارتباطا وثيقا وعضويا بما يمكن توصيفه "بالدلالة الثقافية". فالجامعة في المجتمعات الغربية، مثلها مثل المسارح والمتاحف والأروقة والمآثر، والأعمال الإنسانية الخالدة...مطالبة بعدم فقدان قيمتها الرمزية ودورها في إغناء الثقافة والحضارة، ومضطرة إلى إيجاد الآليات الناجعة لتحقيق المزاوجة بين الأبعاد الوظيفية والأخرى الرمزية. والجامعة بهذا المعنى تمثل فضاء منفتحا ومساحة ثقافية استثنائية، حيث تتداعى ضمنها الفواصل بين الأزمنة التاريخية للمجتمع بفعل التراكمات المعرفية التي تحققها. وفضاء الجامعة هو فضاء مجتمعي بامتياز حيث تعتمل داخله الفوارق والنزاعات والتوترات والاختلافات والتيارات والقيم والايديلوجيات والاثنيات ذاتها التي تتنازع المجتمع وتتقاسمه وتميزه، إلا أنها داخل الجامعة تتوحد فيما بينها، دون إلغاء للاختلاف، بفعل آلية التأويل والترميز التي توظفها الجامعة لصياغة خطاب الهوية والاختلاف.

ولعله من المفارقات اللافتة أن يكون دور الجامعة في البلاد الأقل تقدما محصورا في عملية التلقين والتكوين ببعدها المدرسي البسيط والرتيب؛ وبالتالي تصبح جامعات هذه البلاد أعصى على التصريف أو التمثل الفكري من تلك التي تنتمي للبلاد المتقدمة. فقد صممت جامعتنا وفق أسس تنظيمية وإدارية بيروقراطية ومجترة لتقدم كل شيء من حيث التكوينات إلا شيئا واحدا وهو القيمة الرمزية والفلسفية التي تتأسس عليها فكرة الجامعة. والمتأمل في واقع جامعاتنا يستنتج بوضوح أن هذه المؤسسات تنحاز إلى التكوينات التطبيقية والمخبرية أو المعملية وترصد لذلك إمكانات لا بأس بها مقابل تراجع واضح على مستوى دعم البنيات الكفيلة بحفز البحث في مجال الفكر والفلسفة والآداب والفنون والحضارة والمجتمع والسياسة والإنسان. ومعنى هذا، بصيغة التعميم، أن جامعاتنا الوطنية تعاني انحباسا حادا على مستوى دلالاتها الثقافية والرمزية. فالقيمة الرمزية لجامعاتنا لا تعدو أن تكون قيمة إدارية ومؤسساتية، وهي قيمة غير مفقودة في جميع مؤسسات المرفق العام. لذلك، ليس غريبا أن لا تذكر أسماء جامعاتنا في الكتب السياحية مثلا أو في تلك المطبوعات والمؤلفات التي تتناول الحضارة المغربية! لأن مثل هذه الجامعات لا تمثل رموزا حضارية بالمعنى الفلسفي والكوني. ولكي تكتسب جامعاتنا قيمتها أو بالأحرى قيمها الرمزية عليها أن تؤسس داخلها خطابا فلسفيا جريئا يبلور فكرة الجامعة في أبعادها الكونية والإنسانية والفلسفية ويروج لذلك. ولكي يتشكل مثل هذا الخطاب الضروري يشترط إخضاع البنية التحتية للجامعة لمراجعة شاملة وفق المعايير البنيوية المعمول بها في المجتمعات الراقية.

تفتقر أغلب جامعاتنا الوطنية إلى مكتبات جامعية قائمة الذات، مؤهلة وموحدة ومنظمة وموسوعية من حيث محفوظاتها، وذات قدرة على التوسع والتطور، وموصولة بأبناك المعلومات الوطنية والدولية، وتمتلك حق إصدار حقوق التأليف والتصنيف. وهذا نقص فادح وخطير ويضر ضررا بليغا بقيمة البحث العلمي داخل الجامعة المغربية؛ بل إنك واجد البعض من الباحثين في اضطرار إلى التنقل داخل الوطن أو خارجه لاقتناء المصادر والتزود من مكتبات الجامعات الأخرى. ولو أن جامعاتنا رصدت بعضا من اعتماداتها لمدة سنة أو سنتين أو أكثر لبناء مثل هذه المكتبات لفعلت خيرا، ولاقت استحسان جميع الباحثين وهم كثر من الطلاب والأساتذة والشغوفين بالقراءة والتقصي. وليس غريبا أن تقاس أهمية الجامعات في المجتمعات المتحضرة بأحجام مكتباتها ومحتوياتها من المنشورات ومصادر المعلومات صلبة كانت أم إلكترونية. والجامعة التي تفتقر إلى مكتبة جامعة ومحينة وعلمية لا يمكن تسميتها جامعة إلا تجاوزا ورضوخا لمقتضى التنظيم الإداري.

ويبدو، من جانب آخر، أن أغلب جامعاتنا في حاجة إلى مراكز حقيقية للبحثمراكز ذات كيانات مادية وسياسات تنظيمية محكمة ومستقلة وأهداف استراتيجية محددة في مجال البحث العلمي وأهمية مثل هته المراكز لا تخفى على أحد إذ يلجأ إليها الباحثون للعناية بمشاريعهم العلمية وأفكارهم وأبحاثهم وتطوير قدراتهم في إنتاج الأفكار وإبداع النظريات. وغياب مثل هذه المراكز يفقد الجامعة حيويتها الفكرية وخصوبتها ويحولها إلى مجرد متاهات من الحجرات والمدرجات والمكاتب تعج بالحركة حينا ويحفها الشلل والصمت أحيانا. وهذا ما يجعل الأبحاث التي تصدر عن جامعاتنا، على قلتها، تبدو غير منسجمة فيما بينها، ولا تحكمها رؤى استراتيجية للبحث العلمي؛ بل تأتي معظم تلك الأبحاث استجابة لطموحات شخصية لباحثين مجتهدين آثروا أن يقلبوا الأفكار والنظريات بإمكانياتهم الشخصية والمتواضعة.

وعلى الرغم من الإصلاحات الهيكلية الجديدة، ما زالت المؤسسات الجامعية تعتمد على ما تمنحه لها الدولة من منح قد تعلو قيمتها أو تهبط وفق الموازنة العامة لخزينة الدولة؛ وما زال أغلب هذه المؤسسات أبعد ما يكون البعد عن بلورة استراتيجية شرسة لاستقطاب الدعم الكافي من خارج الجهات الرسمية عن طريق الصفقات والعقود والاتفاقيات واستثمار الأبحاث وبيع المطبوعات وتهيئ الندوات واللقاءات ومنح التكوينات التكميلية واستخلاص رسوم التسجيل والامتحانات والإشهار والاستثمار في رؤوس الأموال وإنجاز الخبرة وتقديم التوصيات، إلى غيرها من الخدمات، بالمقابل. وفقدان الاستقلالية المادية يوجب فقدان الاستقلالية المعنوية بطبيعة الحال. وهذا ما يجعل جامعاتنا الوطنية متشابهة فيما بينها، متماثلة بعضها مع البعض الآخر؛ تفتقد طابعها الخاص أو شخصيتها المميزة. والجامعة الحقيقية قادرة على توليد رأس المال مثلما هي بارعة في إنتاج الأفكار والنظريات. إنه الفكر الخلاق الذي ينبغي أن يسود جامعاتنا؛ فلنحررها من التبعية الإدارية ونمتعها بالاستقلالية اللازمة!

وبقدر ما أن الجامعة المثالية تمثل كيانا مستقلا ومتحررا فهي كذلك متجذرة في المجتمع ومتفاعلة مع حركيته التاريخية. إلا أن جامعاتنا تعاني من عزلة شبه تامة داخل مجال الدولة؛ بل هي مغتربة داخل هذا المجال وشاردة عما يعتمل داخله من تفاعل وتحول وتطور. فعلى الجامعات أن تواكب نمو المجتمع وتطوره؛ بل هي مدعوة إلى استباق هذا التطور وهذا النمو وأن تخضع المجتمع بأكمله، في اختلافه وانسجامه وتعدده وتوحده، لسلطتها الرمزية وبذلك تتحول الجامعة إلى مركز ثقل ضاغط داخل الفضاء العام للدولة. فالمؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تتفاعل فيما بينها وتتحول إلى خطاب عقلاني وتنموي وإنساني إلا داخل مجال الجامعة المستقلة والقائمة الذات.