لا يكاد يمر يوم دون السماع بوقوع حوادث سير مرعبة سواء في حواضر المغرب أو بواديه ، لدرجة أطلق عليها البعض من المتتبعين والمهتمين تسمية " حرب الطرق" وذلك راجع بالأساس إلى النزيف الدموي والخسائر المادية الكبيرة التي تخلفها، وبأسباب متعددة ومتنوعة : من قبيل حالة السيارات بين جديدها وقديمها ومتهالكها، وعقلية السائق بين الرزين والمتخوف والمتهور، وطوارىء الأحداث بين سقوط عمود أو شجرة ، وعبور مفاجىء لبهيمة أو حيوان هائم ، وخروج عربة مجرورة أو مقصورة، وتقلبات مناخية بين شمس طالعة أو تتهادى للغروب ، وضباب كثيف يعيق الرؤية أو يحجبها ، وتساقطات مطرية تغلب حركية ماسحات الزجاج الواقي أوتزيد من ضخ تجمعات المياه على جنبات الطرق وتخلق  البرك الوسطية المسببة في الانزلاقات ، ووضعية الطرقات بين ذات الجنبات المتآكلة أو الحافات العميقة ، والحفر الغائرة أو التقطعات الإسفلتية ، والانعراجات الملتوية أو قائمة الزاوية دون امتداد ، ونقص التشوير الطرقي أو انعدام معرفة السائق بطرقات المنطقة التي يتنقل عليها – ولو على سبيل كتيبات أو مطويات للتحسيس والتعريف –

أما ما نذهب إليه في غالب الأحيان باعتماد شعارات مثل " يوم بدون حوادث " أو " أسبوع السلامة الطرقية " وتكثيف المراقبة ونقطها على مختلف الطرقات ، فإن الأمر لا يعدو كونه فترة مرحلية تتجند لها طاقات وترصد لها إمكانيات هائلة سرعان ما يخبو أوارها بانتهاء المدة الزمنية المخصصة لها وتعود الأمور إلى سابق عهدها ..

وإذا اعتبرنا السرعة المفرطة وعدم احترام قوانين السير من الأسباب أيضا ، فإن هذا الوضع لا يتطلب إجراءات زجرية فقط وإنما يتعين التفكير في خلق قوافل للتربية والتوعية الطرقية على مستوى كل إقليم من أجل تبني استراتيجية القرب والتواصل المباشر لا سيما مع جميع مستعملي الطريق وخاصة الراجلين منهم وفرض تكوين نظري وعملي لكل راغب في اقتناء دراجة نارية أو عادية أو جرار وحتى العربات المجرورة في الأوساط القروية والتي غالبا ما تستعمل نفس الطريق التي تسير عليها السيارات وتشكل الخطر المحدق في كل لحظة وخصوصا في الليل إذا اعتبرنا أن أغلبيتها بدون إنارة ، واعتماد الطرق الجانبية المخصصة لهذه الأصناف تفاديا لكل عرقلة مرورية ، وإيجاد صيغ بديلة للقضاء على النقل السري الذي يغذي في حالات عديدة وقوع حوادث السير من خلال آليات ميسرة لإدماجهم في منظومة النقل الطرقي ، وإلزام الجماعات المحلية بصيانة الطرقات المتواجدة على تراب نفوذها  ، دون إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه جمعيات المجتمع المدني ذات التخصص في هذا المجال مع توفير الدعم المادي واللوجستي لها ...

إذن ، هناك عمل كبير لا بد من إنجازه عبر مراحل يجب الفصل بينها انطلاقا من الأولويات وتجميعا للجهود ، وأن ينطلق هذا العمل من تأهيل وإعادة تأهيل الطرقات ، والتحسيس والتربية والتوعية ، والمراقبة والتتبع والتقييم ، وسن القوانين التي تساهم في الارتقاء بالمفاهيم وتغيير السلوكات ، ثم اتخاذ الإجراءات الزجرية والعقوبات والغرامات ولعل أكبرها أثرا في نفس وحياة الإنسان " حجز رخصة السياقة " لمدة معينة يطبعها التدرج حسب طبيعة وحجم المخالفة ...

عبد الكريم جبراوي